ثم ذكر ربه فوقف استحياءً فنودي :" خُذْهَا فَلاَ تَخَفْ سُنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا " ( وهيئتها )١ " الأُولَى " أي نردها عصا كما كانت. قوله : سِيرَتَهَا في نصبها٢ أوجه :
أحدها : أن تكون٣ منصوبةً على الظرف، أي في سيرتها أي : طريقتها٤.
الثاني : أن تكونَ منصوبة على البدل من " ها " ٥ " سَنُعِيدُهَا " بدل اشتمال لأن السيرة الصفة، أي سنعيدها صفتها وشكلها٦.
الثالث : أنها منصوبةٌ على إسقاط الخافض أي : إلى سيرتها٧.
قال الزمخشري٨ : ويجوز أن يكون مفعولاً من عَادَ أي عادَ إليه، فيتعدى لمفعولين، ومنه بيت زهير :
وَعَادَكَ أَنْ تُلاَقِيهَا عَدَاءُ٩ ***. . .
وهذا هو ( معنى قول من قال : إنه على إسقاط ( إلى ) و )١٠ كان قد جوَّز أن يكون ظرفاً كما تقدَّم١١، إلا أن أبا حيَّان ردَّه بأنّه ظرف مختص فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة ( في )١٢ إلا فيما ( شذ١٣. والسيرَةُ )١٤ فِعْلَة تدل على الهيئة من السَّيْر كالركبة من الرُّكُوب١٥، ثم اتسع فعبر بها عن المذهب والطريقة، قال خالد الهذلي١٦ :
فَلاَ تغْضَبَنْ مِنْ سِيرَةٍِ أَنْتَ سِرْتَهَا *** فَأوَّلَ رَاضٍ سِيرَةً مَنْ يَسِيرُهَا١٧
وجوَّز١٨ أيضاً أن ينتصب بفعل مضمر، أي : يسير سيرتها الأولى، وتكون هذه الجملة المقدرة في محل نصب على الحال ؛ أي : سَنُعيدُها١٩ سائرةً سيرتَهَا٢٠.
فإن قيل٢١ : لمَّا نوديَ يا موسَى، وخصَّ بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه مبعوث من عند الله تعالى فلماذا٢٢ خاف ؟ فالجواب من وجوه :
أحدها : أن ذلك الخوف كان من نفرة٢٣ الطبع لأنه -عليه السلام٢٤- ما شاهد مثل ذلك قط، وهذا معلوم بدلائل العقول. قال أبو القاسم الأنصاري٢٥ : وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة.
وثانيها٢٦ : خاف لأنه عليه السلام٢٧ عرف ما لقي آدم منها.
وثالثها : أن مجرد قوله وَلاَ تَخَفْ لا يدل على حصول الخوف كقوله : وَلاَ تُطِعِ الكافرين ٢٨ لا يدل على وجود تلك الطاعة، لكن قوله : فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً ٢٩ يدل عليه٣٠.
فصل
قال المفسرون : كانَ علَى٣١ موسى٣٢ مَدْرَعة من صوف قد خللها٣٣ بعيدان٣٤. فلما قال له :" خُذْهَا " لف طرف المَدْرَعَةِ على يده، فأمره الله أن يكشف يده، فكشف. وقيل : إن مَلَكاً قال : أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت المدْرعة تغني عنك شيئاً ؟ فقال : لا ولكني ضعيف، ومِنْ ضَعْفٍ خُلِقَتُ٣٥، فكشف٣٦ يده، ثم وضعهَا في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في شعبتيها في الموضع الذي يضعها إذا تَوَكَّأَ٣٧. واعلم أن إدخاله يده في فم الحية من غير ضرر معجزة وانقلابها خشباً معجز آخر، وانقلاب العصا حيَّة معجز آخر، ففيها توالي معجزات المآرب٣٨ التي تقدمت.
٢ في ب: نصبه..
٣ انظر الكشاف ٢/٤٣١.
ورده أبو حيان فقال في البحر المحيط بعد ما ذكر الزمخشري في جواز نصب (سيرتها) على الظرف: (وسيرتها وطريقتها ظرف مختص فلا يتعدى إليه الفصل على طريقة الظرفية إلا بواسطة (في) ولا يجوز الحذف إلا في ضرورة أو فيما شذت فيه العرب) ٦/٢٣٦..
٤ في ب أنها..
٥ في ب: قوله. وهو تحريف..
٦ ذكر هذا الوجه أبو البقاء. انظر التبيان ٢/ ٨٨٨، البحر المحيط ٦/٢٣٦..
٧ قال الحوفي. قال أبو حبان (واختلفوا في إعراب سيرتها. فقال الحوفي: مفعول ثان لـ (سنعيدها). على حذف الجار مثل "واختار موسى قومه" يعني: إلى سيرتها) البحر المحيط ٦/٢٣٥، ٢٣٦. وانظر التبيان ٢/١٤١..
٨ الكشاف ٢/٤٣١. بتصرف، وهو بلفظه في البحر المحيط ٦/٢٣٦..
٩ هذا عجز بيت من بحر الوافر قاله زهير، وصدره: فصرم حبلها إذ صرفته وهو في شرح الديوان (٦٢)، الكشاف ٢/٤٣١، اللسان (عدا) والبحر المحيط ٦/٢٣٦. ورواية شرح الديوان: العداء والشاهد فيه تعدي (عاد) إلى مفعولين وهما ضمير المخاطب و (أن تلاقيها)..
١٠ ما بين القوسين سقط من ب. وفيه : الذي..
١١ انظر الكشاف ٢/٤٣١. قال الزمخشري: (فيجوز أن ينتصب على الظرف، أي سنعيدها في طريقتها الأولى، أي في حال ما كانت عصا)..
١٢ في: سقط من الأصل..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٣٦..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ اسم الهيئة: اسم يدل على نوع من الحدث، وضرب منه له صفة خاصة، وقياسه من الثلاثي على (فعلة) بكسر الفاء وسكون العين نحو جلسة.
فإذا كان المصدر العام على (فعلة) بكسر الفاء دل على الهيئة بالوصف. نحو نشدة عظيمة. ومن غير الثلاثي يؤتى بالمصدر العام موصوفا نحو: أسرع إسراعا شديدا. انظر التبيان في تصريف الأسماء ٥٥ – ٥٦..
١٦ هو خالد بن زهير الهذلي، أحد بني مازن بن معاوية (سعد بن هذيل) عارض زواج ابن عمه أبي ذؤيب الهذلي، فوقع في معركة بالهجاء معه، ومع معقل بن خويلد الهذلي، التقي خالد بالرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عند وفاته مقيما بالمدينة، رثاه أبو خراش بقصيدة. تاريخ التراث العربي، فؤاد سنركين ٢/٢٦٥..
١٧ البيت من بحر الطويل قاله خالد الهذلي، اللسان (سير)، والشاهد فيه أنه عبر عن المذهب والطريقة بالسيرة اتساعا، لأن (سيرة) على فعلة تدل على الهيئة.
ورواية الديوان:
فـلا تجزعن من سنـة أنت سرتهــا *** وأول راضي سـنة من يسيرها
وقد تقدم..
١٨ أي الزمخشري..
١٩ في ب: نعيدها..
٢٠ قال الزمخشري :(ووجه ثالث حسن، أن يكون سنعيدها مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى: أنها أنشئت أول ما أنشئت عصا، ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد ذهابها كما أنشأناها أولا، ونصب (سيرتها) بفعل مضمر أي: تسير سيرتها الأولى أي سنعيدها سائرة سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها، ولك فيها مآرب التي عرفتها) الكشاف ٢/٤٣١..
٢١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٢٨ – ٢٩..
٢٢ في ب: فلما..
٢٣ في ب: نفر. وهو تحريف..
٢٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٥ سلمان بن ناصر بن عمران أبو القاسم الأنصاري النيسابوري، الفقيه الصوفي إمام الحرمين، كان بارعا في الأصول، وصنف في التفسير، وشرح الإرشاد لشيخه سمع الحديث من عبد الغفار الفارسي وكريمة المروذية وغيرهما مات سنة ٥١٢ هـ. طبقات المفسرين للسيوطي ٥٢، طبقات المفسرين للداودي ١/١٩٣ – ١٩٤..
٢٦ في ب: والثاني..
٢٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٨ [الأحزاب: ١، ٤٨]..
٢٩ [النمل: ١٠]، [القصص: ٣١]..
٣٠ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٢٨ – ٢٩..
٣١ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤١٨..
٣٢ في ب: موسى عليه الصلاة والسلام..
٣٣ في الأصل: فدخلها، وفي ب: قد خلها. وهو تحريف..
٣٤ بعيدان: سقط من ب..
٣٥ في ب: خفت. وهو تحريف..
٣٦ في ب: ثم كشف..
٣٧ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤١٨..
٣٨ في ب: والمآرب..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود