قال تعالى : خُذها يا موسى، ولا تخفْ ، قال ابن عباس رضي الله عنه : انقلبت ثعبانًا ذَكَرًا، يبتلع كل شيء من الصخر والشجر، فلما رآه كذلك خاف ونفر، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع، إذ لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. سنعيدُها سِيرَتَها الأولى أي : سنعيدها، بعد الأخذ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصًا، قيل : بلغ عليه السلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها، ويأخذ بلَحْيَيْهَا. فلما أخذها عادت عصًا، وحكمة قلبها وأخذها هنا ؛ ليكون معها على ثقة عند مخاصمة فرعون، وطمأنينةٍ من أمره، فلا يعتريه شائبة دهش ولا تزلزل. والسيرة : فعلة من السير، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة، وانتصابها على نزع الخافض.
وأما قوله تعالى : في حديث آخر مرفوعًا :" تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني " ٢، فالمراد بالمرارة : ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار، وإيذاء الفجار وغير ذلك.
وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفًا لهم، لقوله صلى الله عليه وسلم :" الفقر فخري وبه أفتخر " ٣، أو كما قال عليه السلام إن صح. وقال شيخنا البوزيدي رضي الله عنه : الحديث الأول : في الصالحين المتوجهين من أهل الظاهر، والثاني - يعني تمرري... الخ - في الأولياء العارفين من أهل الباطن. هـ. ويقال له أيضًا - إن تجرد وألقى الدنيا من يده وقلبه - : اضمم يدَ فكرتك إلى قلبك، تخرج بيضاء نورانية صافية، لا تخليط فيها ولا نقص، هي آية أخرى، بعد آية التجريد والصبر على مشاقه.
وقال في اللباب : اليد : يدَ الفكر، والجيب : جيب الفهم، وخروجها بيضاء بالعرفان. هـ. قال الورتجبي : أرى الله موسى من يده أكبر آية، وذلك أنه ألبس أنوار يد قدرته يد موسى، فكان يَدُ موسى يدَ قدرة الله، من حيث التخلق والاتصاف، كما في حديث :" كنت له سمعًا وبصرًا ولسانًا ويدًا " هـ. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي