إِنّا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا التي اقترفنا، من الكفر والمعاصي، ولا يؤاخذنا بها في الآخرة، فلا نغتر بتلك الحياة الفانية، حتى نتأثر بما أوعدتنا به من القطع والصلب، و يغفر لنا أيضًا ما أكرهتنا عليه من السحر الذي عملناه في معارضة موسى عليه السلام، بإكراهك وحشرك لنا من المدائن القاصية، وخصوه بالذكر، مع اندراجه في خطاياهم ؛ إظهارًا لغاية نفرتهم عنه، ورغبة في مغفرته، وفي ذكره الإكراه : نوع اعتذار ؛ لاستجلاب المغفرة، وقيل : أرادوا الإكراه على تعلم السحر، لما رُوي أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين ؛ اثنان منهم من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر، وقيل : إنه أكرههم على المعارضة، حيث رُوي أنهم قالوا لفرعون : أرنا موسى نائمًا، ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا : ما هذا بسحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه. لكن يأباه تصديهم للمعارضة بالرغبة والنشاط، كما يُعرب عنه قولهم : إِنَّ لَنَا لأَجْراً. . . [ الأعرَاف : ١١٣ ] الخ، وقولهم : بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [ الشُّعَرَاء : ٤٤ ]، إلا أن يُقال : لما رأوا جدَّهُ طمعوا وطلبوا الأجر. والله خيرٌ وأبقى أي : وثواب الله خير من إيثار الدنيا الفانية، وأبقى في الدار الباقية، أو : والله في ذاته خير، وجزاؤه أبقى، نعيمًا كان أو عذابًا.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي