ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ ﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄ ﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏ ﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝ

الآيات: (٧١- ٧٦) [سورة طه (٢٠) : الآيات ٧١ الى ٧٦]
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥)
جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)
التفسير:
والتهمة التي يلقى بها فرعون فى وجه السحرة، ويتهددهم بها، هى أنهم قد تواطئوا مع موسى على هذا الأمر، وأن موسى ليس إلا واحدا منهم، بل إنه كبيرهم الذي علمّهم السحر! وإذن، فإن فرعون لم يغلب فى هذه المعركة، إلا لأنها كلها كانت جبهة واحدة، ولم يكن فرعون فى الجبهة المقابلة التي تلقى هذه الجبهة وتقاتلها، وتقضى عليها..!
إنها جميعا جبهة سحرة تآمروا عليه واتّحدوا ضده! وليس موسى إلا كبيرهم ومعلمهم!..
«قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ؟».
هذه أول تهمة تدين السحرة عند فرعون.. إنهم آمنوا بموسى قبل أن يأخذوا إذن فرعون وإجازته!! حتى لكأنّ الإيمان بالله، عمل من أعمال

صفحة رقم 806

السيادة التي فى يد الحاكم، لا يمارسه الإنسان إلا بإذن من السلطان، فهو أشبه بأملاك الدولة، التي تحتاج إلى إذن خاص لتملكها والانتفاع بها..!!
وإذا كان للسلطان أن يملك من الناس ما يملكون من مال ومتاع، ويتسلط على الكلمة ينطقون بها، أو يأخذ عليهم السبيل إلى أي وجه يتجهون إليه- فهل يملك السلطان من الناس، ما تكنّه السرائر وما تنطوى عليه القلوب؟.
هكذا خيل لفرعون أنه يملك من الناس كل شىء، حتى خفقات قلوبهم، وخلجات صدورهم، فأنكر على السحرة أن يؤمنوا قبل أن يأذن لقلوبهم أن تستقبل أنوار الهدى ونفحات الإيمان!!.
«إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ»..
ولهذا تواطأتم معه، وكدتم هذا الكيد، الذي أخرجتم به الناس ليشهدوا تلك المعركة الخاسرة! «فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى».
لقد اختلق فرعون التهمة، ولفق الجريمة، ثم حكم، دون أن يسمع دفاعا، أو يسمح لأحد أن ينطق بكلمة! وعلى تلك النية الشنعاء يعرض فرعون السحرة، ويعدّ العدّة لتنفيذها فيهم..
- وفى قول فرعون: «أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى» إشارة إلى ما تهدد به موسى السحرة، قبل أن تبدأ المعركة، وذلك فى قوله: «وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً.. فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى».
فالعذاب الذي تهددهم به موسى، هو عذاب مؤجل ليوم القيامة.. وهذا

صفحة رقم 807

العذاب لا يدرك مداه إلا من يؤمنون بالله وباليوم الآخر..
وإذن فالذى وقع فى السحرة من هذا التهديد، هو مجرد توقعات لهذا العذاب، كما تصوره فرعون..
أما العذاب الذي سيأخذهم به فرعون، فهو عذاب حاضر واقع فى الحال، وهو عذاب- على تلك الصورة- فظيع مهول! ولهذا وازن فرعون بين عذابه، والعذاب الذي توعد موسى السحرة به، وأراهم أن عذابه أشد: «وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً» أعذابي الحاضر، أم العذاب الذي يهددكم به موسى؟ وأنا، أم موسى «أبقى» لكم، وأملك لأمركم، وأقدر على التسلط عليكم؟
«قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا.. فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا.. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ.. وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى»..
وهكذا الإيمان إذا جاء إلى الإنسان، أو جاء إليه الإنسان عن طريق النظر، والبحث، والتحليل، والتعليل.. إنه حينئذ إيمان يخالط المشاعر، ويملك القلوب، ويأسر العقول، ويجعل من الإنسان الفقير الضعيف، قوة هائلة، تتحدى الجبابرة، وتستخف بأعظم الأهوال، وأشد الخطوب..
وهل كان يقع فى الحسبان أن جماعة من رعايا فرعون، وعابديه، الذين ولدوا- كما ولد آباؤهم- فى ظل ربوبيته، وسلطان ألوهيته- هل كان يقع فى الحسبان أن يجىء يوم يقف فيه هؤلاء «العباد» فى وجه هذا «الإله» موقف التحدّى، بل والاستخفاف والسخرية؟ ولكنه الإيمان، يفعل المعجزات، ويقلب الأوضاع والمواضعات!

صفحة رقم 808

وقولهم: «وَالَّذِي فَطَرَنا».. يمكن أن يكون معطوفا على قولهم: «لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ» أي لن نقدمك ونختارك على تلك البينات والدلائل التي كشفت لنا عن وجه الحق، وأرتنا الله ربّ العالمين، الذي فطرنا وأوجدنا، والذي حجبتنا عن رؤيته الضلالات والأباطيل التي كنا نعيش فيها.. ويمكن أن يكون هذا قسما منهم بالله الذي عرفوه منذ الآن، وآمنوا به..
- وقولهم: «وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى» هو رد على قول فرعون لهم: «وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى»..
قوله تعالى:
«إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى»..
هذه الآيات، هى تعقيب، على هذا المشهد من مشاهد القصّه..
وفى هذا التعقيب، إلفات إلى مواقع الإيمان من قلوب المؤمنين، وإلى ما يحصّله المؤمنون من ثمرات لهذا الإيمان.. كما يجد فيه المشاهدون لموقف فرعون من السحرة، ما أعد الله للمحرمين من عذاب ونكال..
وإذن فالقضية هكذا:
«مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ.. لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى».. فهذا هو جزاء المجرمين، الذين يلقون الله بجرمهم، ولم يتطهروا منه بالإيمان والتوبة.. إن لهم جهنم، لا شىء لهم غيرها.. وهم فيها بين الموت والحياة..
«لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها..» (٣٦: فاطر).
وأما «مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى»

صفحة رقم 809

التفسير القرآني للقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الكريم يونس الخطيب

الناشر دار الفكر العربي - القاهرة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية