ﭭﭮﭯﭰﭱ

قوله(١) : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى أي بما أرشدهم، وهذا تكذيب لفرعون، وتهكم به في قوله : وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد (٢) احتج القاضي بقوله : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى وقال : لو كان الضلال من خلق الله لما جاز أن يقال :" وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ " بل وجب أن يقال :" اللهُ أَضَلَّهُمْ " (٣)، لأن الله ذمَّه بذلك(٤)، فكيف يكون خالقاً للكفر، لأنَّ مَنْ ذمَّ غيره بشيء لا بد وأنْ يكون المذموم هو الذي فعله وإلا استحق(٥) الذم(٦).

فصل


قال ابن عبَّاس(٧) : لمَّا أمر تعالى موسى أن يقطعَ بقومه(٨) البحر، وكان بنو(٩) إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحُلِيّ والدواب لعيد يخرجون إليه، فخرج بهم ليلاً. وكان يوسف عليه السلام(١٠) عهد إليهم عند موته أن يخرجوا(١١) بعظامه(١٢) معهم من مصر، فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عجوز على موضع العظم فأخذوه، وقال موسى عليه السلام(١٣) للعجوز : احتكمي. فقالت : أكون معك في الجنة. فلما خرجوا تَبِعَهُم فرعون، فلما انتهى موسى إلى البحر، ( قال : هنا أُمِرْتُ، فَأوْحَى الله إليه أن اضْرِبْ بِعَصَاكِ البَحْرَ )(١٤)، فضربه فانفلق، فقال لهم موسى : ادخلوا فيه قالوا : كيف وهي رطبة ؟ فدعا ربّه فهبت عليهم الصبا فجفت(١٥). فقالوا : نخاف الغرق في بعضنا، فجعل بينَهُم كوًى(١٦) حتى يرى بعضُهم بعضاً، ثم دخلوا حتى جازوا(١٧)، وأقبل فرعون إلى تلك الطرق، فقال له قومه : إنَّ موسى قد سَحَر البَحْرَ كما ترى، وكان على فرس حصان فأقبل جبريل عليه السلام ( على فرس أنْثَى في ثَلاثَةٍ وثلاثين من الملائكة، فصار جبريل عليه السلام بين يدي فرعون )(١٨). فأبصر الحصانُ الفرسَ فاقتحم بفرعون على أثرها، وصاحت الملائكة في الناس الحقُوا حتى إذا دخل آخرهم، وكان أولهم أن يخرج(١٩) التقى البحر عليهم، فغرقوا، فرجع بنو إسرائيل حتى ينظروا إليهم، وقالوا : يا موسى ادْعُ اللهَ أنْ(٢٠) يخرجهم لنا ( حتى ننظر إليهم )(٢١)، فلفظهم البحر إلى الساحل وأصابوا من سِلاحِهم.
قال ابن عبَّاس : إنَّ جبريل عليه السلام(٢٢) قال : يا محمد لو رأيتني وأنا أدسّ فرعون في الماء والطين مخافة أن يتوب. فهذا معنى فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ (٢٣).
قال(٢٤) ابن الخطيب : وفي القصة أبحاث :
الأول : قال بعض المفسرين : إن موسى لما ضربَ البحرَ انفرق اثنا عشر طريقاً يابساً، وبقي الماء قائماً بين الطريقين كالطود العظيم وهو الجبل، فأخذ كلُّ سبط(٢٥) من بني إسرائيل في طريق، وهو معنى قوله تعالى : فَكَانَ(٢٦) كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم (٢٧) ومنهم من قال : إنَّما حصل طريق واحد(٢٨) لقوله : فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً ويمكن حمله على الجنس.
الثاني : أن قول بني إسرائيل بعد أن أظهر لهم الطرق وبينها تعنتوا وقالوا نريدُ أنْ يرى بعضُنا بعضاً فهذا كالبعيد، لأن القومَ لما أبْصَروا مجيء فرعون صاروا في نهاية الخوف(٢٩)، والخائف إذا وجد طريق الفرار والخلاص كيف يتفرغ للتعنت البارد(٣٠).
الثالث : أنّ فرعون كان عاقلا بل كان في نهاية الدهاء(٣١) فكيف اختار إلقاء نفسه في التهلكة(٣٢)، فإنه كان يعلم من نفسه أن انفلاق(٣٣) البَحْر ليس بأمره، وذكروا(٣٤) عند هذا وجهين(٣٥) :
أحدهما : أنَّ جبريل -عليه السلام- كان على الرَّمْكَة(٣٦) فتبعه فرس فرعون. ولقائلٍ أن يقول : هذا بعيد، لأنه يبعد أن يكون خوضُ الملك في أمثال هذه المواضع مقدماً على خوض جميع العسكر. وأيضاً فلو كان الأمر على ما قالوا لكان فرعون في ذلك الدخول كالمجبور، وذلك مما يزيده خوفاً، ويحمله عن الإمساك على الدخول. وأيضاً : فأيُّ حاجةٍ لجبريل عليه السلام إلى هذه الحيلة، وقد كان يمكنه أن يأخذه مع فرسه ويرميه في الماء ابتداء ؟ بل الأولى أن يقال : إنه أمر مقدمة العسكر بالدخول فدخلوا وما غرقوا(٣٧) فغلب على ظنه السلامة، فلما دخل(٣٨) أغرقهم الله.
الرابع : أن قولهم عن جبريل إنه كان يدسه في الماء والطين خوفاً من(٣٩) أن يؤمن فبعيد، لأن المنع من الإيمان لا يليق بالملائكة والأنبياء.
الخامس : روي أن موسى عليه السلام(٤٠) كَلَّمَ البحرَ فقال انفلق(٤١) لي لأعبر(٤٢)، فقال البحر : لا يَمُرُّ عليَّ رجل عاص. وهذا(٤٣) غير ممتنع على أصول أهل السنة، لأن عندهم البنية ليست شرطاً للحياة، وعند المعتزلة أن ذلك على لسان الحال لا على(٤٤) لسان المقال(٤٥).
١ قوله: سقط من الأصل..
٢ من قوله تعالى: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد [غافر: ٢٩]. .
٣ في ب: ضلهم..
٤ في ب: وأن الله تعالى ذمهم بذلك أي ذمه بذلك. وهو تحريف..
٥ في ب: يستحق..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/٩٣..
٧ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٩٣ – ٩٤..
٨ في ب: بقوله. وهو تحريف..
٩ في النسختين بنوا. والصواب ما أثبته..
١٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١١ في الأصل: خرجوا. وهو تحريف..
١٢ في ب: لعظامه. وهو تحريف..
١٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ في ب: فجففت. وهو تحريف..
١٦ كوى جمع كوّة: الخرق في الحائط والثقب في البيت ونحوه. اللسان (كوى)..
١٧ في الأصل: جاز. وهو تحريف..
١٨ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي، وفي الأصل: فرعون بين. وفي ب: من يدي فرعون. وهو تحريف..
١٩ في ب: أن يقرب من الخروج..
٢٠ أن: تكملة من الفخر الرازي..
٢١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٢ عليه السلام: سقط من ب..
٢٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٩٣-٩٤..
٢٤ في ب: فصل قال..
٢٥ السِّبط: الفرقة..
٢٦ في الأصل: نصار. وهو تحريف. وفي ب: فانفلق فكان......
٢٧ [الشعراء: ٦٣]..
٢٨ في ب: واحد..
٢٩ في ب: شدة..
٣٠ في ب: كيف يتخلص ويتفرغ للتعنف البارد. وهو تحريف..
٣١ في ب: الدعاء. وهو تحريف..
٣٢ في التهلكة: سقط من ب..
٣٣ في ب: انقلاب. وهو تحريف..
٣٤ في ب: ذكروا..
٣٥ في ب: بوجهين. وهو تحريف..
٣٦ الرَّمكة: الفرس والبرذونة التي تتخذ للنسل، معرب والجمع رمك وأرماك جمع الجمع الجوهري: الرّمكة: الأنثى من البراذين، والجمع رماك ورمكات وأرماك (عن الفراء) مثل ثمار وأثمار. اللسان (رمك)..
٣٧ في ب: وما عرفوا. وهو تحريف..
٣٨ في ب: فلما دخلوا. وهو تحريف..
٣٩ من: سقط من الأصل..
٤٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤١ في ب: الفرق. وهو تحريف..
٤٢ في ب: لا غيره. وهو تحريف..
٤٣ في ب: وهو..
٤٤ في ب: لا على سبيل..
٤٥ الفخر الرازي ٢٢/٩٤..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية