وأجاز الفراء أن يكون معطوفاً على لاَّ تَخَافُ وثبتت الألف في الجزم كما ثبتت الياء والواو وهذا غلط عند جميع البصريين لأن الألف لا تتحرك فيقدر فيها حركة. والياء والواو يتحركان فيجوز أن تقدر فيهما حركة محذوفة. وأيضاً فإن ذلك لا يجوز في الياؤ والواو إلا الشعر.
قوله تعالى ذكره: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ إلى قوله: ثُمَّ اهتدى.
في الكلام حذف، والتقدير: فسرى موسى بهم فاتبعهم فرعون بجنوده.
والسرى، سير الليل. وكان فرعون ظن أن موسى ومن معه لا يفوتونه لأن البحر بين أيديهم. فلما أتى موسى البحر، ضربه بعصاه، فانفلق منه اثني عشر طريقاً. وبين الطريق والطريق الماء قائماً كالجبال فأخذ كل سبط طريقاً، فلما أقبل فرعون، ورأى الطريق في البحر، أوهم من معه أن البحر فعل ذلك لمشيئته. فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم.
وروي أنهم لما تراءوا وطمع فرعون في موسى ومن معه أرسل الله ضبابة فسترت بعضهم من بعض حتى دخل موسى وقومه في البحر فلما أمنعوا في البحر، انجلت الضبابة، فنظر أصحاب فرعون فلم يروا منهم أحداً، فتقربوا حتى أتوا البحر،
فرأوه منفلقاً. فيه طريق قائمة واضحة يابسة والماء قائم بين الطريق والطريق بمنزلة الجبل العظيم لا يتحرك ولا يزول، فشاهدوا هذه الآيات العظيمة، وأوهمهم فرعون أن البحر إنما انفلق من هيبته ومخافته فدخل خلف بني إسرائيل ليلحقهم، فلما استكمل هو وجنوده في داخل البحر، انطبق عليه، فهلكوا أجمعين.
وقوله: فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ.
أي: ما غرقهم. وفيه معنى العظيم، ولذلك كنى عن الغرق بغشيهم.
قال أبو النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري.
أي: شعري ما قد عرفتموه. فكنى عنه ليعظمه.
ثم قال: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى.
أي: وجار فرعون بقومه عن سواء السبيل. وَمَا هدى أي: ما سلك بهم الطريق المستقيم. يعني في الإيمان والكفر، لأنه نهاهم عن اتباع الرسول فأطاعوه.
ثم قال: يابني إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ.
يعني فرعون وهذا خطاب لهم بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر.
ثم قال: وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى.
يذكرهم بنعمه عندهم وأياديه لديهم، وقد مضى تفسير هذا كله في البقرة.
كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ.
أي: من شهية وحلاله.
وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ.
أي: لا يظلم بعضكم بعضاً.
والمعنى: لا يحملنكم السعة والخصب/ على الطغيان فتظلموا فيحل عليكم غضبي. أي: ينزل بكم ويجب.
وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هوى.
أي: شقى وهلك، أي: صار إلى الهاوية وهي قعر جهنم، نعوذ بالله منها.
ثم قال تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ.
قال ابن عباس: لِّمَن تَابَ من الشرك و وَآمَنَ وحّد الله وَعَمِلَ صَالِحَاً: أدّى الفرائض.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي