ﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

وقلنا لهم : كُلوا من طيباتِ ما رزقناكم أي : من لذائده، أو حلاله. وفي البدء بنعمة الإنجاء ثم بالنعمة الدينية ثم بالنعمة الدنيوية من حسن الترتيب ما لا يخفى. ولا تطغَوا فيه أي : فيما رزقناكم بالإخلال بشكره، والتَعدي لما حَدَّ لكم فيه، كالترفه والبطر والمنع من المستحق. وقال القشيري : مجاوزة الحلال إلى الحرام، أو بالزيادة على الكفاف وما لا بُدَّ منه، فأزاد على سدِّ الرمق، أو بالأكل على الغفلة والنسيان. ه. وقيل : لا تدخروا، فادَّخروا فتعودوا، وقيل : لا تنفقوه في المعصية، فيَحِلَّ عليكم غضبي بفعل شيء من ذلك، أي : ينزل ويجب، من حَلَّ الدين ؛ إذا وجب. ومَن يَحْلِلْ عليه غضبي فقد هَوَى أي : تردَّى وهلك، أو وقع في المهاوي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إذا ذهبت عن العبد أيام المحن، وجاءت له أيام المنن، فينبغي له أن يتذكر ما سلف له من المحن، وينظر ما هو فيه الآن من المنن، ليزداد شكرًا وتواضعًا، فتزداد نعمه، وتتواتر عليه الخيرات. وأما إن نسي أيام المحن، ولم يشكر ما هو فيه من المنن، فحقيق أن تزول عنه، ويرجع إلى ما كان عليه.
وتَذَكَّرْ حديث الأبرص والأقرع والأعمى، حسبما في الصحيح١. فإن الأبرص والأقرع، حين شفاها الله وأغناهما، أنكرا ما كانا عليه، فرجعا إلى ما كانا عليه، والأعمى حين أقر بما كان عليه، وشكر الحال الذي حال إليه، دامت نعمته وكثر خيره. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود. فيقال لأهل النعم، إن قاموا بشكرها : كُلوا من طيبات ما رزقناكم، ولا تطغوا فيه، بأن تصرفوه في غير محله، أو تمنعوه عن مستحقه، فيحلَّ عليكم غضبي... الآية.
وقوله تعالى : وإِني لغفار لمن تاب... الخ، قال القشيري : وإني لغفار لمن تاب من الزَّلَّة وآمن فلم يَرَ أعماله من نَفْسه، بل جميع الحوادث من الحقِّ، وعمل صالحًا فلم يُخِلّ بالفرائض، ثم اهتدى للسُّنَّةِ والجماعة، وقال أيضًا : ثم اهتدى بنا إلينا. هـ.
قال الورتجبي : التائب : المنقطعُ إلى الله، والمؤمن : العارف بالله، والعمل الصالح : تركه ما دون الله، فإذا كان كذلك، فاهتدى بالله إلى الله، ويكون مغمورًا برحمة الله، ومعصومًا بعصمة الله. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير