مُحَمَّدُ لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَدُسُّ فِرْعَوْنَ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ مَخَافَةَ أَنْ يَتُوبَ
فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَفِي الْقِصَّةِ أَبْحَاثٌ.
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ:
رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا ضَرَبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ حَصَلَ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا يَابِسًا يَتَهَيَّأُ طُرُوقُهُ وَبَقِيَ الْمَاءُ قَائِمًا بَيْنَ الطَّرِيقِ وَالطَّرِيقِ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَهُوَ الْجَبَلُ. فَأَخَذَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي طَرِيقٍ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ حَصَلَ طَرِيقٌ وَاحِدٌ وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْأَخْبَارُ وَمِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشُّعَرَاءِ: ٦٣] وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا حَصَلَ هُنَاكَ طُرُقٌ حَتَّى يَكُونَ الْمَاءُ الْقَائِمُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الثَّانِي ظَاهِرُ قوله: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الطَّرِيقَ الْوَاحِدَ وَإِنْ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الطُّرُقِ نَظَرًا إِلَى الْجِنْسِ.
الْبَحْثُ الثَّانِي:
رُوِيَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُمُ الطَّرِيقَ وَبَيَّنَهَا لَهُمْ تَعَنَّتُوا وَقَالُوا:
نُرِيدُ أَنْ يَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا
وَهَذَا كَالْبَعِيدِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا أَبْصَرُوا مَجِيءَ فِرْعَوْنَ صَارُوا فِي نِهَايَةِ الْخَوْفِ وَالْخَائِفُ إِذَا وَجَدَ طَرِيقَ الْفِرَارِ وَالْخَلَاصِ كَيْفَ يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَنُّتِ الْبَارِدِ.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ عَاقِلًا بَلْ كَانَ فِي نِهَايَةِ الدَّهَاءِ فَكَيْفَ اخْتَارَ إِلْقَاءَ نَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّ انْفِلَاقَ الْبَحْرِ لَيْسَ بِأَمْرِهِ فَعِنْدَ هَذَا ذَكَرُوا وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَلَى الرَّمَكَةِ فَتَبِعَهُ فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنَّ يَكُونَ خَوْضُ الْمَلِكِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مُقَدَّمًا عَلَى خَوْضِ جَمِيعِ الْعَسْكَرِ وَمَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ لَكَانَ فِرْعَوْنُ فِي ذَلِكَ الدُّخُولِ كَالْمَجْبُورِ وَذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُ خَوْفًا وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْإِمْسَاكِ فِي أَنْ لَا يَدْخُلَ وَأَيْضًا فَأَيُّ حَاجَةٍ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَعَ قَوْمِهِ وَيَرْمِيَهُ فِي الْمَاءِ ابْتِدَاءً، بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ أَمَرَ مُقَدِّمَةَ عَسْكَرِهِ بِالدُّخُولِ فَدَخَلُوا وَمَا غَرِقُوا فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّلَامَةُ فَلَمَّا دَخَلَ الْكُلُّ أَغْرَقَهُمُ اللَّه تَعَالَى.
الْبَحْثُ الرَّابِعُ: أَنَّ الَّذِي نَقَلَ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَدُسُّهُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُؤْمِنَ فَبَعِيدٌ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْإِيمَانِ لَا يَلِيقُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
الْبَحْثُ الْخَامِسُ: الَّذِي
رُوِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلَّمَ الْبَحْرَ قَالَ لَهُ: انْفَلِقْ لِي لِأَعْبُرَ عَلَيْكَ، فَقَالَ الْبَحْرُ: لَا يَمُرُّ عَلَيَّ رَجُلٌ عَاصٍ.
فَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلَى أُصُولِنَا لِأَنَّ عِنْدَنَا الْبِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَيَاةِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ الْحَالِ لَا على لسان المقال. واللَّه أعلم.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٠ الى ٨٢]
يَا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَنْعَمَ عَلَى قَوْمِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ ذَكَّرَهُمْ إِيَّاهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ إِزَالَةَ الْمَضَرَّةِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلَى إِيصَالِ الْمَنْفَعَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ إِيصَالَ الْمَنْفَعَةِ الدِّينِيَّةِ أَعْظَمُ فِي كَوْنِهِ نِعْمَةً مِنْ إِيصَالِ الْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلِهَذَا بَدَأَ اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ: أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى إِزَالَةِ الضَّرَرِ فَإِنَّ فِرْعَوْنَ
كَانَ يُنْزِلُ بِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ كَثِيرًا مِنَ الْقَتْلِ وَالْإِذْلَالِ وَالْإِخْرَاجِ وَالْإِتْعَابِ فِي الْأَعْمَالِ، ثُمَّ ثَنَّى بِذِكْرِ الْمَنْفَعَةِ الدِّينِيَّةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَوَجْهُ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَيْهِمْ كِتَابًا فِيهِ بَيَانُ دِينِهِمْ وَشَرْحُ شَرِيعَتِهِمْ ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ الْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ ثُمَّ زَجَرَهُمْ عَنِ الْعِصْيَانِ بِقَوْلِهِ: وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ عَصَى ثُمَّ تَابَ كَانَ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّه بِقَوْلِهِ: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَهَذَا بيان المقصود من الآية ثم هاهنا مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ قَدْ أَنْجَيْتُكُمْ وَوَعَدْتُكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ كُلَّهَا بِالتَّاءِ إِلَّا قَوْلَهُ: وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى فَإِنَّهَا بِالنُّونِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلَّهَا بِالنُّونِ وَقَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَوَاعَدْنَاكُمْ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَوَاعَدْتُكُمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا جَاوَزَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ قَالُوا لَهُ: أَلَيْسَ وَعَدْتَنَا أَنْ تَأْتِيَنَا مِنْ رَبِّنَا بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالْأَحْكَامُ. قَالَ بَلَى، ثُمَّ تَعَجَّلَ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ لِيَأْتِيَهُمْ بِالْكِتَابِ وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَأْتِيَهُمْ إِلَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مِنْ يَوْمِ انْطَلَقَ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَواعَدْناكُمْ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَاعَدَ مُوسَى أَنْ يُؤْتِيَهُ التَّوْرَاةَ لِأَجْلِهِمْ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّمَا قَالَ: وَاعَدْنَاكُمْ لِأَنَّ الْخِطَابَ لَهُ وَلِلسَّبْعِينَ الْمُخْتَارَةِ واللَّه أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ وَلَا يَسَارٌ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ طُورَ سَيْنَاءَ عَنْ/ يَمِينِ مَنِ انْطَلَقَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ وَقُرِئَ الْأَيْمَنِ بالجر على الجوار نحو حجر ضَبٍّ خَرِبٍ وَانْتِفَاعُ الْقَوْمِ بِذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهِمْ وَفِيهَا شَرْحُ دِينِهِمْ، وَإِمَّا لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى عَلَى الطُّورِ حَصَلَ لِلْقَوْمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرَفٌ عَظِيمٌ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: كُلُوا لَيْسَ أَمْرَ إِيجَابٍ بَلْ أَمْرَ إِبَاحَةٍ كَقَوْلِهِ: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [الْمَائِدَةِ: ٢].
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي الطَّيِّبَاتِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: اللَّذَائِذُ لِأَنَّ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى مِنْ لَذَائِذِ الْأَطْعِمَةِ. وَالثَّانِي:
وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ الْحَلَالُ لِأَنَّهُ شَيْءٌ أَنْزَلَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِمْ وَلَمْ تَمَسَّهُ يَدُ الْآدَمِيِّينَ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ مَعْنًى مُشْتَرَكًا. وَتَمَامُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَطْغَوْا فِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: لَا تَطْغَوْا، أَيْ لَا يَظْلِمْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَيَأْخُذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ. وَثَانِيهَا: قَالَ مُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ: لَا تَظْلِمُوا فِيهِ أَنْفُسَكُمْ بِأَنْ تَتَجَاوَزُوا حَدَّ الْإِبَاحَةِ. وَثَالِثُهَا: قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا تَكْفُرُوا النِّعْمَةَ أَيْ لَا تَسْتَعِينُوا بِنِعْمَتِي على مخالفتي ولا تعرضوا عن الشُّكْرِ وَلَا تَعْدِلُوا عَنِ الْحَلَالِ إِلَى الْحَرَامِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَالْكِسَائِيُّ فَيَحُلَّ وَمَنْ يَحْلُلْ كِلَاهُمَا بِالضَّمِّ وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّه فَيَحِلَّ بِالْكَسْرِ وَمَنْ يَحْلُلْ بِالرَّفْعِ وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْكَسْرِ فِي الْكَلِمَتَيْنِ أَمَّا مَنْ كَسَرَ فَمَعْنَاهُ الْوُجُوبُ مِنْ حَلَّ الدَّيْنُ يَحِلُّ إِذَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] وَالْمَضْمُومُ فِي مَعْنَى النُّزُولِ وَقَوْلُهُ: فَقَدْ هَوى أَيْ شَقِيَ وَقِيلَ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْهَاوِيَةِ، يُقَالُ: هَوَى يَهْوِي هَوِيًّا إِذَا سَقَطَ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غَافِرًا وَغَفُورًا وَغَفَّارًا، وَبِأَنَّ لَهُ غُفْرَانًا وَمَغْفِرَةً وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ وَالْأَمْرِ. أَمَّا إِنَّهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غَافِرًا فَقَوْلُهُ: غافِرِ الذَّنْبِ [غَافِرٍ: ٣] وَأَمَّا كَوْنُهُ غَفُورًا فَقَوْلُهُ: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الْكَهْفِ: ٥٨] وَأَمَّا كَوْنُهُ غَفَّارًا فَقَوْلُهُ: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَأَمَّا الْغُفْرَانُ فَقَوْلُهُ: غُفْرانَكَ رَبَّنا [الْبَقَرَةِ: ٢٨٥] وَأَمَّا الْمَغْفِرَةُ فَقَوْلُهُ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ [الرَّعْدِ: ٦] وَأَمَّا صِيغَةُ الْمَاضِي فَقَوْلُهُ: فِي حَقِّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ [ص: ٢٥] وَأَمَّا صِيغَةُ الْمُسْتَقْبَلِ فَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النِّسَاءِ: ٤٨] وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزُّمَرِ: ٥٣] وَقَوْلُهُ فِي حَقِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ [الْفَتْحِ: ٢] وَأَمَّا لَفْظُ الِاسْتِغْفَارِ فَقَوْلُهُ: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وَفِي حَقِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [نُوحٍ: ١٠] وَفِي الْمَلَائِكَةِ: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشُّورَى: ٥] وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كُلَّهُمْ طَلَبُوا الْمَغْفِرَةَ أَمَّا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الْأَعْرَافِ: ٢٣]، وَأَمَّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي [هُودٍ: ٤٧]، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: وَالَّذِي أَطْمَعُ/ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشُّعَرَاءِ: ٨٢] وَطَلَبَهَا لِأَبِيهِ:
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [مَرْيَمَ: ٤٧] وَأَمَّا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ فِي إِخْوَتِهِ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [يُوسُفَ: ٩٢] وَأَمَّا موسى عليه السلام ففي قصة القبطي: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي [الأعراف: ١٥١] وَأَمَّا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ [ص: ٢٤] أَمَّا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً [ص: ٣٥] وَأَمَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الْمَائِدَةِ: ١١٨] وَأَمَّا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم فقول: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وَأَمَّا الْأُمَّةُ فقوله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا [الحشر: ١٠] واعلم أن بسط الكلام هاهنا أَنْ نُبَيِّنَ أَوَّلًا حَقِيقَةَ الْمَغْفِرَةِ ثُمَّ نَتَكَلَّمَ فِي كَوْنِهِ تَعَالَى غَافِرًا وَغَفُورًا وَغَفَّارًا ثُمَّ نَتَكَلَّمَ فِي أَنَّ مَغْفِرَتَهُ عَامَّةٌ ثُمَّ نُبَيِّنَ أَنَّ مَغْفِرَتَهُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَيْفَ تُعْقَلُ مَعَ أَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُمْ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ اسْتِدْلَالُ أَصْحَابِنَا فِي إِثْبَاتِ الْعَفْوِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الذَّنْبَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا بَعْدَ التَّوْبَةِ أَوْ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ يَقْبُحُ مِنَ اللَّه عَذَابُهُمَا وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّجَاوُزُ عَنْهُمَا وَتَرْكُ الْقَبِيحِ لَا يُسَمَّى غُفْرَانًا فَتَعَيَّنَ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْغُفْرَانُ إِلَّا فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْآيَةِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْغُفْرَانَ فِي حَقِّ مَنِ اسْتَجْمَعَ أُمُورًا أَرْبَعَةً: التَّوْبَةُ وَالْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالِاهْتِدَاءُ، قُلْنَا: إِنَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ثُمَّ أَذْنَبَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ تَائِبًا وَمُؤْمِنًا وَآتِيًا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمُهْتَدِيًا وَمَعَ ذَلِكَ يكون مذنبا فحينئذ يستقيم كلامنا، وهاهنا نُكْتَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْعَبْدَ لَهُ أَسْمَاءٌ ثَلَاثَةٌ: الظَّالِمُ وَالظَّلُومُ وَالظَّلَّامُ. فَالظَّالِمُ: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [فَاطِرٍ: ٣٢] وَالظَّلُومُ: إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الْأَحْزَابِ: ٧٢] وَالظَّلَّامُ إِذَا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وللَّه فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ اسْمٌ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنْ كُنْتَ ظَالِمًا فَأَنَا غَافِرٌ وَإِنْ كُنْتَ ظَلُومًا فَأَنَا غَفُورٌ، وَإِنْ كُنْتَ ظَلَّامًا فَأَنَا غَفَّارٌ: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ [طه: ٨٢].
المسألة التاسعة: كثير اخْتِلَافُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ اهْتَدى وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ثُمَّ اهْتَدَى بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟ وَالْوُجُوهُ الْمُلَخَّصَةُ فِيهِ
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي