ثم يقول الحق سبحانه : فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي ( ٨٦ ) .
رجع : تستعمل لازمة، مثل : رجع فلان إلى الحق. ومتعدية مثل : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج.. ( ٨٣ ) ( التوبة ) : والمعنى فيهما مختلف.
هنا رجع موسى أي : حين سمع ما حدث لقومه من فتنة السامري غضبان أسفا.. ( ٨٦ ) ( طه ) أي : شديد الحزن على ما حدث قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا.. ( ٨٦ ) ( طه ) : الوعد الحسن أن الله يعطيهم التوراة، وفيها أصول حركة الحياة، وبها تحسن حياتنا في الدنيا، ويحسن ثوابنا في الآخرة.
وقوله : أفطال عليكم العهد.. ( ٨٦ ) ( طه ).
يعني : أطال عهدي بكم، وأصبح بعيدا لدرجة أن تنسوه، ولم أغب عنكم إلا مدة يسيرة. قال الله عنها : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر.. ( ١٤٢ ) ( الأعراف ).
ثم يقول : أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي ( ٨٦ ) ( طه ).
وما دام أن عهدي بكم قريب لا يحدث فيه النسيان، فلا بد أنكم تريدون العصيان، وتبغون غضب الله، وإلا فالمسألة لا تستحق، فبمجرد أن أغيب عنكم تنتكسون هذه النكسة، وإن كان هذا حال القوم ورسولهم ما زال بين أظهرهم، فما بالهم بعد موته ؟
لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول :( أذلك وأنا بين ظهرانيكم ؟ )١.
أي : ما هذا الذي يحدث منكم، وأنا مازلت موجودا بينكم ؟
وقوله : فأخلفتم موعدي ( ٨٦ ) ( طه )، وفي آية أخرى قال : بئسما خلفتموني من بعدي.. ( ١٥٠ ) ( الأعراف ) : فكأنه كان له معهم وعد وكلام، فقد أوصاهم قبل أن يفارقهم أن يسلكوا طريق هارون، وأن يطيعوا أوامره إلى أن يعود إليهم، فهارون هو الذي سيخلفه من بعده في قومه، وهو شريكه في الرسالة، وله مهابة الرسول وطاعته واجبة.
هذا هو الوعد الذي أخلفوه مع نبيهم موسى – عليه السلام – قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( ٨٧ ) .
تفسير الشعراوي
الشعراوي