ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ

لا يسمعون حَسِيسَهَا أي : صوتها الذي يحس، وحركة تلهبها، وهذه مبالغة في الإبعاد، أي : لا يقربوها حتى لا يسمعوا صوتها أو صوت من فيها. قال الكواشي : لا يسمعون صوت النار وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم من الجنة. ه. وقال ابن عطية : وذلك بعد دخولهم الجنة ؛ لأن الحديث يقتضي أن في الموقف تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خرَّ على ركبتيه. ه. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمان الفاسي : محمل الحديث، إن صح في حق الأنبياء والأكابر، على شهود الجلال والإجلال لله تعالى، ولذلك يقولون :" نفسي نفسي "، لا من خوف النار. ه.
قلت : أما كون الناس يُصعقون يوم القيامة، فيكون المصطفى أول من يفيق، فثابت في الصحيح، أما سبب الصعقة فقد ورد في غير البخاري :" أنه يُؤتى بجهنم، ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، ثم تزفر زفرة، فلا يبقى نبي ولا ملك إلا خرّ ". . . الحديث، ويؤيده قوله تعالى : وَجِيء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [ الفَجر : ٢٣ ] والأنبياء -عليهم السلام- بَشَر عبيد، قد تعمهم القهرية، ولا تقدح في منصبهم، وليس صعقهم خوفًا، لكن غلبة ودهشًا، كما صعق موسى -عليه السلام- عند الرؤية، ونبينا -عليه الصلاة والسلام- حين تجلى له جبريل على صورته. والله أعلم. وقال جعفر الصادق : وكيف يسمعون حسيسها، والنار تخمد بمطالعتهم، وتتلاشى برؤيتهم ؟ ثم ذكر حديث قول النار للمؤمن : جُز. . . الخ.
ويدل على أن هذه الحالة إنما هي بعد دخولهم الجنة، قوله تعالى : وهم فيما اشتهت أَنفُسُهُم من النعيم خالدون : دائمون، والشهوة : طلب النفس للذة. وهو بيان لفوزهم بالمطالب، إثر بيان خلاصهم من المهالك والمعاطب، أي : دائمون في غاية التنعم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قال الجنيد رضي الله عنه : إن الذين سبقت لهم منّا الحسنى أي : سبقت لهم منا العناية في البداية، فظهرت لهم الولاية في النهاية. هـ. أولئك عنها أي : عن نار القطيعة، وهي أغيار الدنيا، مُبعدون، لا يسمعون حسيسها، ولا ما يقع فيها من الهرج والفتن، لغيبتهم عنها بالكلية في الشغل بالله تعالى، فهم فيما اشتهت أنفسهم ؛ من لذة الشهود، والقُرب من الملك الودود، خالدون دائمون، لا يحزنهم الفزع الأكبر في الدنيا والآخرة، وتتلقاهم الملائكة بالبُشرى بالوصول، هذا يومكم الذي كنتم توعدون، وهو يوم ملاقاة الحبيب والعكوف في حضرة القريب، عند مليك مقتدر. منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنّه وكرمه.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير