ثم يقول الحق تبارك وتعالى :
لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ( ١٠٢ ) :
حسيس النار : أزيزها، وما ينبعث منها من أصوات أول ما تشتعل وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ( ١٠٢ ) [ الأنبياء ] : فلم يقل مثلا : وهم بما اشتهت أنفسهم، إنما في ما اشتهت أنفسهم.. ( ١٠٢ ) [ الأنبياء ] : كأنهم غارقون في النعيم مما اشتهت أنفسهم، كأن شهوات أنفسهم ظرف يحتويهم ويشملهم. وهذا يشوق أهل الخير والصلاح للجنة ونعيمها، حتى نعمل لها، ونعد العدة لهذا النعيم.
وسبق أن قلنا : إن الإنسان يتعب في أول حياته، ويتعلم صنعة، أو يأخذ شهادة لينتفع بها فيما بعد ويرتاح في مستقبل حياته، وعلى قدر تعبك ومجهودك تكون راحتك، فكل ثمرة لا بد لها من حرث ومجهود، والله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملا.
وكنا نرى بعض الفلاحين يقضي يومه في حقله، مهمل الثياب، رث الهيئة، لا يشغله إلا العمل في زرعه، وآخر تراه مهندما نظيفا يجلس على المقهى سعيدا بهذه الراحة، وربما يتندر على صاحبه الذي يشقي نفسه في العمل، حتى إذا ما جاء وقت الحصاد وجد العامل ثمرة تعبه، ولم يجد الكسول غير الحسرة والندم.
إذن : ربك- عز وجل- أعطاك الطاقة والجوارح، ويريد منك الحركة، وفي الحركة بركة، فلو أن الفلاح جلس يقلب في أرضه ويثير تربتها دون أن يزرعها لعوضه الله وأثمر تعبه، ولو أن يجد شيئا في الأرض ينتفع به مثل خاتم ذهب أو غيره.
وترف الإنسان وراحته بحسب تعبه في بداية حياته، فالذي يتعب ويعرق مثلا عشر سنين يرتاح طوال عمره، فإن تعب عشرين سنة يرتاح ويرتاح أولاده من بعده، وإن تعب ثلاثين سنة يرتاح أحفاده وهكذا.
وترف المتعلم يكون بحسب شهادته، فهذا شهادة متوسطة، وهذا عليا، وهذا أخذ الدكتوراه، ليكون له مركز ومكانة في مجتمعه.
لكن مهما أعد الإنسان لنفسه من نعيم الحياة وترفها فإنه نعيم بقدر إمكانياته وطاقاته، لذلك ذكرنا أننا حين سافرنا إلى سان فرانسيسكو رأينا أحد الفنادق الفخمة وقالوا : إن الملك فيصل- رحمه الله- كان ينزل فيه، فأردنا أن نتجول فيه، وفعلا أخذنا بما فيه من مظاهر الترف والأبهة وروعة الهندسة، وكان معي ناس من علية القوم فقلت لهم : هذا ما أعده العباد للعباد، فما بالكم بما أعده رب العباد للعباد ؟
فإذا ما رأيت أهل النعيم والترف في الدنيا فلا تحقد عليهم، لأن نعيمهم يذكرك ويشوقك لنعيم الآخرة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي