فالوحدانية هي أول رحمة بنا، أن نكون كلنا سواء، ليس لنا إلا إله واحد، هذه من أعظم رحمات الله أن نعبده وحده لا شريكَ له، فعبادته تُغنينا عن عبادة غيره، ولو كانت آلهةً متعددة لأصابتنا الحيرة بين إله يأمر، وإله ينهى.
لذلك؛ فالحق - سبحانه وتعالى - يطلب منا أنْ نعتزّ وأنْ نفخَر بهذه الوحدانية، وبهذه الألوهية، وفي هذا يقول الشاعر الإسلامي محمد إقبال:
| والسُّجود الذِي تَجْتويِه | مِنْ أُلُوفِ السُّجودِ فِيهِ نَجَاةُ |
| حَسْبُ نفسي عِزاً بأنِّي عَبْدٌ | يحتفي بي بلاَ مواعيدَ رَبُّ |
| هُوَ في قُدْسِه الأعزِّ ولكِنْ | أنا أَلْقَى متى وأيْنَ أُحِبُّ |
ويا ترى تقبل أم ترفض، وإنْ قبلت فلا تملك من عناصرها شيئاً، فالزمان، والمكان، وموضوع الكلام. كلها أمور يحددها غيرك.
أما إن أردتَ مقابلة ربك - عَزَّ وَجَلَّ - فما عليك إلا أنْ تتوضأ وترفع يديك قائلاً: الله أكبر بعدها ستكون في معية الله، وقد اخترتَ أنت الزمان، والمكان، وموضوع الحديث، وإنهاء اللقاء.
أَلاَ ترى كيف امتنَّ الله تعالى على رسوله في رحلة «الإسراء والمعراج» بأنْ وصفه بالعبودية له سبحانه، فقال: سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] إذن: جاء قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ [الأنبياء: ١٠٨] بعد قوله: وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] ليدلنا: أن دعوة الله لنا إلى عبادة إله واحد ترحمنا من عبوديتنا بعضنا لبعض.
ثم يُرغِّبنا الحق سبحانه في هذه العبودية، فيقول: فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ [الأنبياء: ١٠٨] كما تحث ولدك المتكاسل أن يكون مثلَ زميله الذي تفوَّق، وأخذ المركز الأول، فتقول له: ألا تذاكر وتجتهد حتى تكون مثله؟
وهكذا في فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ [الأنبياء: ١٠٨] أي: مسلمون لله؛ لأن مصلحتكم في الإسلام وعزّكم في عبوديتكم لله.
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي