ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى السبب لهذه الطاعة فقال : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالماً بجميع المعلومات علموا كونه عالماً بظواهرهم وبواطنهم، فكان ذلك داعياً لهم إلى نهاية الخضوع وكمال العبودية١. قال ابن عباس٢ : يعلم ما قدموا وأخروا من أعمالهم. وقال مقاتل : بعلم ما كان قبل أن يخلقهم، وما يكون بعد خلقهم.
وقيل : مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ الآخرة، «وَمَا خَلْفَهُمْ » الدنيا. وقيل بالعكس٣ ثم قال : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى أي لمن هو عند الله مرضي. قاله مجاهد٤، وقال ابن عباس : لمن قال لا إله إلا الله٥. وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ أي : من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى مفعوله. «مُشْفقُونَ » خائفون لا يأمنون من مكره، ونظيره قوله تعالى لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ٦.
وروي٧ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه رأى جبريل - عليه السلام- ليلة المعراج ساقطاً كالحلس٨ من خشية الله »٩.
٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٠..
٣ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٦٠..
٤ انظر البغوي ٥/٤٨٢..
٥ المرجع السابق..
٦ من قوله تعالى: يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا [النبأ: ٣٨]..
٧ في الأصل: روى..
٨ في الأصل: كالجالس. وفي ب: جالسا كالساقط..
٩ انظر الفائق ١/٣٠٥، الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف (١١٠) ويشبه به الذي لا يبرح منزله فيقال: هو حلس بيته..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود