الخشية : الخوف بتعظيم ومهابة، فقد تخاف من شيء وأنت تكرهه أو تحتقره. فالخشية كأن تخاف من أبيك أو من أستاذك أن يراك مقصرا، وتخجل منه أن يراك على حال تقصير، فمعنى الخوف من الله : أن تخاف أن تكون مقصرا فيم طلب منك، وفيما كلفك به ؛ لأن مقاييسه تعالى عالية، وربما فاتك من ذلك شيء.
وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذه المسألة، فيقول : إنما يخشى الله من عباده العلماء.. ( ٢٧ ) ( فاطر ) لماذا ؟ لأنهم الأعلم بالله وبحكمته في كونه، وكلما تكشفت لهم حقائق الكون وأسراره ازدادوا لله خشية، ومنه مهابة وإجلالا ؛ لذلك قال عنهم : يخافون ربهم من فوقهم.. ( ٥٠ ) ( النحل ) : أي : أعلى منهم وعلى رؤوسهم، لكن بحب ومهابة.
ومعنى : بالغيب.. ( ٤٩ ) ( الأنبياء ) : أنهم يخافون الله، مع أنهم لا يرونه بأعينهم، إنما يرونه في آثار صنعه، أو بالغيب يعني : الأمور الغيبية التي لا يشاهدونها، لكن أخبرهم الله بها فأصبحت بعد إخبار الله كأنها مشهد لهم يرونها بأعينهم.
أو يكون المعنى : يخشون ربهم في خلواتهم عن الخلق، فمهابة الله والأدب معه تلازمهم حتى في خلوتهم وانفرادهم. على خلاف من يظهر هذا السلوك أمام الناس رياء، وهو نمرود في خلوته.
وقوله تعالى : وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ( ٤٩ ) ( الأنبياء ) : والإشفاق بمعنى الخوف أيضا، لكنه خوف يصاحبه الحذر مما تخاف، فالخوف من الله مصحوب بالمهابة، والخوف من الساعة مصحوب بالحذر منها، مخافة أن تقوم عليهم قبل أن يعدوا أنفسهم لها إعدادا كاملا يفرحهم بجزاء الله ساعة يلقونه.
تفسير الشعراوي
الشعراوي