قوله تعالى : وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ لما نصره الله تعالى أتم النعمة عليه بأن نجاه ونجَّى لوطاً وهو ابن أخيه، وهو لوط بن هاران نجاهما من نمروذ وقومه من أرض العراق إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين يعني مكة، وقيل : أرض الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء١.
وقال تعالى : إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ٢ قال أُبي بن كعب : سماها مباركة، لأنّ ما من ماء عذب وإلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس٣ وروى قتادة أنّ عمر بن الخطاب قال لكعب : ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبره، فقال إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده٤.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :«إنها ستكون هجرة بعد هجرة فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم » ٥ قوله : وَلُوطاً يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أَنْ يكونَ معطوفاً على المفعول قبله٦.
والثاني : أَنْ يكونَ مفعولاً معه. والأول أولى.
وقوله : إِلَى الأَرْضِ يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلق ب «نَجَّيْنَاهُ » على أن يتضمن معنى أخرجناه بالنجاة فلما ضمن معنى أخرج تعدى تعديته٧.
والثاني : أنه لا تضمين٨ فيه وأنَّ حرف الجر يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في «نَجَّيْنَاهُ » أي : نجيناه منتهياً إلى الأرض كذا قدره أبو حيان٩ وفيه نظر من حيث إنه قدر كوناً مقيداً وهو كثيراً ما يَرُدُّ على الزمخشري وغيره١٠ ذلك.
فصل
اعلم أنَّ لوطاً١١ آمن بإبراهيم كما قال تعالى فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ١٢ وكان ابن أخيه، وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له١٣ ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضاً سارة، وهي بنت عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عن إبراهيم فخرج من كوشى١٤ من أرض حدود بابل بالعراق مهاجراً إلى ربه ومعه لوط وسارة، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حَرَّان١٥ فمكث بها ما شاء الله، ثم ارتحل منها ونزل أرض١٦ السبع١٧ من فلسطين وهي برية الشام، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى١٨ الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب، وبعثه الله نبياً، فلذلك قوله : وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ١٩.
٢ [الإسراء: ١]..
٣ انظر البغوي ٥/٥٠٠..
٤ المرجع السابق..
٥ أخرجه أحمد في مسنده ٢/٨٤، ١٩٩، وانظر النهاية في غريب الحديث ٥/٢٤٤ المهاجر: بفتح الجيم موضع المهاجرة، ويريد به الشام، لأن إبراهيم-عليه السلام- لما خرج من أرض العراق مضى إلى الشام وأقام به..
٦ انظر إعراب القرآن للنحاس ٣/٧٤..
٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٢٨-٣٢٩..
٨ في ب: لا يتضمن. وهو تحريف..
٩ البحر المحيط ٦/٣٢٩..
١٠ في ب: وغير..
١١ في ب: لوط. وهو تحريف..
١٢ من قوله تعالى: فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم [العنكبوت: ٢٦]..
١٣ له: سقط من الأصل..
١٤ كوثى: في ثلاثة مواضع: بسواد العراق في أرض بابل، وبمكة، وهو منزل بني عبد الدار خاصة، ثم غلب على الجميع. معجم البلدان ٤/٤٨٧-٤٨٨.
.
١٥ حرّان: مدينة قديمة في تركيا ما بين النهرين موطن إبراهيم الخليل بعد هجرته. المنجد في الأعلام (٢١٤)..
١٦ في ب: بأرض..
١٧ السبع: سقط من ب..
١٨ في ب: يريد..
١٩ انظر البغوي ٥/٥٠١..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود