ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨ

ثم يعلمه ربه دعاء آخر يدعو به حين تستقر به السفينة على الجودي، وعندما ينزل منها ليباشر حياته الجديدة على الأرض :
وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ( ٢٩ ) :
وفي موضع آخر قال سبحانه : قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك.. ( ٤٨ ) [ هود ] : لأنك ستنزل منها وليست هي مكان معيشتك.
وكذلك دعا النبي ( ص ) فقال كما حكى القرآن : وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق.. ( ٨٠ ) [ الإسراء ].
فلا بد أن تذكر في النعمة المنعم بها، لذلك فالذين يصابون في نعم الله عليهم بأعين الحاسدين، ثق تمام الثقة أنهم حين رأوا نعمة الله عليهم لم يذكروا المنعم بها، ولو أن الإنسان حين يرى نعمة من نعم الله عليه في ماله أو ولده فيقول : ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ووضع النعمة في حماية المنعم لضمن دوام نعمته وسلامتها من أعين الحاسدين، لأنه وضعها تحت قانون الصيانة الإلهية.
ومعنى : منزلا مباركا.. ( ٢٩ ) [ المؤمنون ] : الشيء المبارك : الذي يعطي فوق ما يتصور من حجمه، كأن يعيش شخص براتب بسيط عيشة كريمة ويربي أولاده أفضل تربية، فيتساءل الناس : من أين له ذلك ؟ ونقول : إنها البركة التي تحل في القليل فيصير كثيرا، صحيح أن الوارد قليل لكن يكثره قلة المنصرف منه.
وقد مثلنا لذلك بواحد يرتزق من الحلال، فييسر الله أمره، ويقضي مصالحه بأيسر تكلفة، فإذا مرض ولده مثلا يشفيه الله بقرص أسبرين وكوب من الشاي، ولا يفزع لمرضه، لأنه مطمئن القلب، راضي النفس، واثق في معونة الله. أما الذي يتكسب من الحرام ويأكل الرشوة.. الخ إن مرض ولده يهرع به إلى الأطباء ويتوقع في ولده أخطر الأمراض، فإن ارتشى بعشرة صرف عليها مائة.
وسبق أن قلنا : إن هذه البركة هي رزق السلب الذي لا يزيد من دخلك، إنما يقلل من مصروفاتك.
وكلمة وأنت خير المنزلين ( ٢٩ ) [ المؤمنون ] : أم أنه سبحانه المنزل الوحيد ؟ الله خير المنزلين يعني : أباح أن يقال للعبد أيضا منزل حين ينزل شخصا في مكان مريح، كأن يسكنه مثلا في شقة مريحة، أو يستقبله ضيفا عليه.. الخ. وإن كنت منزلا بهذا المعنى، فالله عز وجل هو خير المنزلين، لأنه سبحانه حين ينزلك ينزل على قدره تعالى، وعلى قدر كرمه وعطائه.
إذن : الحق- تبارك وتعالى- لم يضن عليه خلقه أن يصفهم بما وصف به نفسه، فلم يضن عليك أن يصفك بالخلق فقال : فتبارك الله أحسن الخالقين ( ١٤ ) [ المؤمنون ] : فأثبت لك صفة الخلق، لأنك توجد معدوما مع أنك توجده من موجود لله، كأن تصنع من الرمل والنار كوبا من الزجاج مثلا، لكن ما توجده يظل جامدا على حالته لا ينمو ولا يتناسل، وليست فيه حياة، ومع ذلك سماك ربك خالقا، وكذلك قال : خير الوارثين ( ٨٩ ) [ الأنبياء ]. وقال : خير الماكرين ( ٥٤ ) [ آل عمران ].
وكما أن الله عز وجل لم يضن عليك بهذه الصفات، فلا تضن عليه سبحانه بأنه خير المنزلين، وخير الوارثين، وخير الماكرين، وأحسن الخالقين.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير