قوله :«فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ » قال الزمخشري : فإنْ قُلْتَ : حق «أَرْسَلَ » أن يتعدى ب «إلى » كأخواته التي هي : وَجَّهَ، وأَنْفَذَ وبَعَثَ، فما له عدي في القرآن ب ( إلى١ ) تارة وب ( في ) أخرى كقوله : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ ٢ [ الرعد : ٣٠ ] " وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ " ٣ ٤ [ سبأ : ٣٤ ]. قُلْتُ : لم يعد ب ( في ) كما عُدّي ب ( إلى )، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال، كقول رؤبة ٥ :
أرسلت فيها مصعباً ذا أقحام٦ ***. . .
وقد٧ جاء ( بَعَثَ ) على ذلك، كقوله تعالى وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً ٨ ٩ [ الفرقان : ٥١ ].
قوله : أَنِ اعبدوا الله يجوز أن تكون المصدرية١٠ أي : أرسلناه بأن اعبدوا الله. أي : بقوله اعبدوا، وأن تكون مفسرة١١. «أَفَلاَ تَتَّقُونَ » قال بعضهم : هذا الكلام غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه، وردّوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك خوفهم بقوله :«أَفَلاَ تَتَّقُون » هذه الطريقة مخالفة العذاب الذي أنذركم به. ويجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله، وحذّرهم من العقاب بسبب إقبالهم١٢ على عبادة الأوثان ١٣.
٢ [الرعد: ٣٠]..
٣ من قوله تعالى: وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنما بما أرسلتم به كافرون [سبأ: ٣٤]..
٤ ما بين القوسين تكملة من الكشاف..
٥ تقدم..
٦ رجز نسبة الزمخشري إلى رؤبة، ولم أجده في ديوانه، وهو في شرح شواهد الكشاف لعطاء السندي، وبعده: طبا فقيها بذوات الأبلام. وهو في البحر المحيط ٦/٤٠٣، وشرح شواهد الكشاف ١١٩ وفي النسختين: (ذا لحام) مكان (ذا إقحام) يقال: أصعب الجمل فهو مصعب إذا صار صعبا لا يركب. الإقحام: الدخول في الشيء بلا مهلة ولا روية. فالمعنى: أرسلت في تلك القضية رجلا كالجمل الشديد ذا إقدام على الأمر بجراءة..
٧ في ب: وبعد. وهو تحريف..
٨ [الفرقان: ٥١]..
٩ الكشاف ٣/٤٧..
١٠ انظر البحر المحيط ٦/٤٠٣..
١١ انظر الكشاف ٣/٤٧، البحر المحيط ٦/٤٠٣..
١٢ إقبالهم: سقط من ب..
١٣ انظر الفخر الرازي ٢٣/٩٨..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود