ثم حكى سبحانه ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوّهم فقال : وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب يعني التوراة، وخصّ موسى بالذكر ؛ لأن التوراة أنزلت عليه في الطور، وكان هارون خليفته في قومه. لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أي لعلّ قوم موسى يهتدون بها إلى الحق، ويعملون بما فيها من الشرائع، فجعل سبحانه إيتاء موسى إياها إيتاء لقومه ؛ لأنها وإن كانت منزلة على موسى فهي لإرشاد قومه. وقيل : إن ثمّ مضافاً محذوفاً أقيم المضاف إليه مقامه، أي آتينا قوم موسى الكتاب. وقيل : إن الضمير في : لَعَلَّهُمْ يرجع إلى فرعون وملئه، وهو وهم ؛ لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك فرعون وقومه، كما قال سبحانه : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرون الأولى [ القصص : ٤٣ ]. والجملة حالية.
وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال : يا أيها الرسل كُلُوا مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . وقال : يا أيها الذين آمَنُوا كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم [ البقرة : ١٧٢ ] ) ثم ذكر :( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، يمدّ يديه إلى السماء : يا ربّ يا ربّ، فأنى يستجاب لذلك ). وأخرج سعيد بن منصور عن حفص الفزاري في قوله : يا أيها الرسل كُلُوا مِنَ الطيبات قال : ذلك عيسى بن مريم يأكل من غزل أمه. وأخرجه عبدان في الصحابة عن حفص مرفوعاً، وهو مرسل ؛ لأن حفصاً تابعي.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني