ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ ﰂﰃﰄﰅﰆ ﰈﰉﰊﰋﰌ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج».
لهذا شبّه الله تعالى حالهم حين ستر الجهل والحيرة عقولهم بحال من غمره الماء، فقال: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ أي فذر هؤلاء الجاهلين يتيهون في جهالتهم، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم، فلكل شيء وقت معلوم.
والخلاصة: أن هذا الإمداد للكفار ليس إلا استدراجا لهم إلى المعاصي، واستجرارا إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات إكراما لهم، وتعجيلا للثواب قبل وقته.
صفات المسارعين في الخيرات
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٧ الى ٦٢]
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢)
الإعراب:
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ.. خبر إِنَّ في قوله تعالى: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ، وأُولئِكَ: مبتدأ، ويُسارِعُونَ: جملة فعلية: خبر المبتدأ، والمبتدأ وخبره: في موضع رفع لأنه خبر إِنَّ.
البلاغة:
يُؤْمِنُونَ يُشْرِكُونَ بينهما طباق.

صفحة رقم 62

وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ استعارة، شبه الكتاب بمن له لسان ينطق، مبالغة في وصفه بإظهار البيان وإعلان الأحكام.
يُؤْتُونَ ما آتَوْا جناس اشتقاق.
مُشْفِقُونَ يُؤْمِنُونَ يُشْرِكُونَ سابِقُونَ سجع محكم.
المفردات اللغوية:
خَشْيَةِ رَبِّهِمْ خوف من عقابه أو عذابه. مُشْفِقُونَ حذرون، والإشفاق: نهاية الخوف، وليس هذا هو المراد، وإنما المراد لازمه وأثره وهو دوام الطاعة.
بِآياتِ رَبِّهِمْ المنصوبة والمنزلة، أي الآيات الكونية في الأنفس والسموات والأرض، والآيات المنزلة وهي القرآن. يُؤْمِنُونَ يصدقون. لا يُشْرِكُونَ شركا جليا ولا خفيا.
يُؤْتُونَ يعطون. ما آتَوْا ما أعطوا من الصدقات والأعمال الصالحة. وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي خائفة ألا تقبل منهم. أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أي بأنهم راجعون إلى الله لأن مرجعهم إليه.
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، فيبادرونها. وَهُمْ لَها سابِقُونَ فاعلون السبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها. وُسْعَها ما يسع الإنسان فعله دون مشقة ولا حرج. كِتابٌ هو صحيفة الأعمال. بِالْحَقِّ بالصدق لا يوجد فيه ما يخالف الواقع.
المناسبة:
بعد أن ذم الله تعالى الذين فرقوا دينهم بقوله: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ أردف بعده صفات من يسارع حقيقة في الخيرات، وهي أربع صفات: خشية الله، والإيمان بآيات ربهم، ونفي الشريك لله تعالى، ويؤدون حقوق الله تعالى كالزكاة والكفارة، وحقوق الآدميين كالودائع والديون، وقلوبهم خائفة ألا يتقبّل ذلك منهم.

صفحة رقم 63

التفسير والبيان:
هذه صفات المسارعين في الخيرات:
١- إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ أي إن الذين هم من خوفهم من عذاب ربهم دائمون في طاعته، فالمراد من الإشفاق أثره وهو الدوام في الطاعة. أو أن المراد خائفون من الله، ويكون الجمع بين الخشية والإشفاق للتأكيد.
٢- وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ أي والذين هم بآيات الله الكونية والقرآنية المنزلة يصدقون تصديقا تاما لا شك فيه. والآيات الكونية: هي آيات الله المخلوقة الدالة على وجوده بالنظر والفكر، كإبداع السموات والأرض وخلق النفس الإنسانية. والآيات المنزلة في القرآن، مثل الإخبار عن مريم:
وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ [التحريم ٦٦/ ١٢]، أي أيقنت أن ما كان إنما هو عن قدر الله وقضائه، ومثل ما شرعه الله، فهو إن كان أمرا فهو مما يحبه ويرضاه، وإن كان نهيا فهو مما يكرهه ويأباه، وإن كان خيرا فهو حق.
٣- وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ أي لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله، الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأنه لا نظير له ولا كفؤ له.
ويلاحظ أن الصفة الثانية: وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ هي الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله تعالى، وهو توحيد الربوبية، والصفة الثالثة هي توحيد الألوهية والعبادة ونفي الشرك الخفي، وهو أن يكون مخلصا في العبادة، بأن تكون لوجه الله تعالى وطلب رضوانه.
ولم يقتصر على الصفة الثانية لأن كثيرا من المشركين يعترفون بتوحيد

صفحة رقم 64

الربوبية، كما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان ٣١/ ٢٥]، ولا يعترفون بتوحيد الألوهية والعبادة، فعبدوا الأصنام والأوثان ومعبودات أخرى.
٤- وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أي والذين يعطون العطاء، وهم وجلون خائفون ألا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط روى الإمام أحمد والترمذي وابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عزّ وجلّ؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصدّيق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عزّ وجلّ».
وقوله تعالى: أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أي لأنهم أو من أجل أنهم.
والإيتاء لا يقتصر على العطاء المادي من زكاة أو صدقة، وإنما يشمل كل حق يلزم إيتاؤه، سواء كان ذلك من حقوق الله تعالى، كالزكاة والكفارة وغيرهما، أو من حقوق الآدميين، كالودائع والديون والعدل بين الناس لأن من يؤدي الواجب من عبادة أو غيرها، وهو وجل من التقصير والإخلال بنقصان أو غيره، فإنه يكون مجتهدا في أن يوفّيها حقها في الأداء.
وترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي، والصفة الثانية دلت على أصل الإيمان والتعمق فيه، والصفة الثالثة دلت على ترك الرياء في الطاعات، والصفة الرابعة دلت على الإتيان بالطاعات مع الخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين.

صفحة رقم 65

أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ أي أولئك الذين يبادرون في الطاعات لئلا تفوتهم، ويتعجلون في الدنيا وجوه النفع والإكرام كما قال تعالى: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ [آل عمران ٣/ ١٤٨]، وقال: وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت ٢٩/ ٢٧]، وهم لأجل الطاعات سابقون الناس إلى الثواب، وينالون الثمرة في الدنيا قبل الآخرة، لا أولئك الكفار الذين أمددناهم بالمال والبنين، فظنوا خطأ أن ذلك إكرام لهم.
والخلاصة: أن السعادة ليست هي سعادة الدنيا، وإنما سعادة الآخرة بالعمل الطيب، وإيتاء الصدقات، مع الخوف والخشية.
وبعد بيان كيفية أعمال المؤمنين المخلصين، ذكر الله تعالى حكمين من أحكام أعمال العباد:
الأول- وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي إن منهاج شرعنا ألا نكلف نفسا إلا قدر طاقتها، وهذا إخبار عن عدله في شرعه، ورحمته بالعباد، وهو أيضا يريد به التحريض على ما وصف به الصالحين وتسهيله على النفوس.
والثاني- وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ أي ولدينا كتاب الأعمال أو صحائف الأعمال، وقيل: اللوح المحفوظ، يبين بدقة وصدق لا يخالف الواقع أعمال الناس في الدنيا، كما قال تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ، إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية ٤٥/ ٢٩]، وقال سبحانه: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [الكهف ١٨/ ٤٩]، فالأظهر أن المراد بالكتاب كتاب إحصاء الأعمال.
ثم بيّن الله تعالى فضله على عباده في الحساب بعد بيان يسر التكليف فقال:
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي وهم لا يبخسون في الجزاء من الخير شيئا، بل يثابون على

صفحة رقم 66

ما قدموا من الأعمال القليلة والكثيرة، ولا يزاد في عقابهم، فهم لا يظلمون بزيادة عقاب أو نقصان ثواب، بل يعفو الله عن كثير من السيئات.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١- إن ميزان قبول الأعمال يعتمد على الصفات الأربع، وهي: الخوف من عذاب الله، والإيمان بآيات الله، وإخلاص العبادة لله ونفي الشرك الخفي، وأداء الواجبات مع الاجتهاد في إيفائها حقها.
٢- نبهت الآيات على خاتمة الإنسان وهي الرجوع إلى لقاء الله تعالى، جاء في صحيح البخاري: «وإنما الأعمال بالخواتيم».
٣- إن المؤمنين المتصفين بالصفات المتقدمة هم الذين يبادرون في الطاعات، كي ينالوا بذلك أعلى الدرجات والغرفات. وأما قوله تعالى: وَهُمْ لَها سابِقُونَ فقال القرطبي: أحسن ما قيل فيه: إنهم يسبقون إلى أوقاتها. ودل بهذا أن الصلاة في أول الوقت أفضل. وكل من تقدم في شيء فهو سابق إليه، وكل من تأخر عنه فقد سبقه وقته. فاللام في لَها على هذا القول بمعنى إلى، كما قال تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة ٩٩/ ٥]، أي أوحى إليها «١».
وقال الزمخشري والرازي: المعنى وهم من أجل الخيرات سابقون. وهذا ما جرينا عليه في التفسير. ويجوز أن يكون معنى وَهُمْ لَها بمعنى: أنت لها وهي لك.
٤- إن الذي وصف الله به الصالحين غير خارج عن حد الوسع والطاقة.
وهذا ناسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف لا يطاق. والآية تقرر مبدءا عاما في التكليف وهو التيسير ودفع الحرج، كما في آية البقرة: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [٢٨٦].

(١) تفسير القرطبي: ١٢/ ١٣٣

صفحة رقم 67

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية