ﰂﰃﰄﰅﰆ

٥٨ - قوله: وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ قال ابن عباس ومقاتل: يصدقون بالقرآن أنه من عند الله (١).
٥٩ - وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ الأوثان في العبادة، ولا يعبدون معه غيره، لكنهم يوحدون ربهم. قاله الكلبي ومقاتل (٢).
وقال أهل المعاني: هذا بيان بأن (٣) خصال الإيمان لا تصلح إلا بترك الإشراك، وليس (٤) على ما يقوله أهل الجاهلية: إنا مؤمنون بالله، وهم يعبدون معه غيره (٥).
٦٠ - وقوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قال ابن عباس: يريد يعملون الأعمال الصالحة ويتصدقون (٦) بالصدقة الكثيرة وقلوبهم خائفة من الله -عز وجل- أن لا يقبل ذلك منهم (٧).
وقال الكلبي: قلوبهم خائفة ألا تقبل منهم.
وقال الحسن: يعملون ما عملوا من البر والعمل الصالح (٨) وقلوبهم وجلة أيتقبل منهم أم لا (٩)؟.

(١) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣١ ب.
(٢) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣١ ب.
(٣) في (أ)، (ع): (أن).
(٤) في (أ)، (ع): (ليس).
(٥) ذكر هذا المعنى الطوسي في "التبيان" ٧/ ٣٣٤ ولم ينسبه لأحد.
(٦) في (أ): (ويصدّقون).
(٧) روى الطبري ١٨/ ٣٣ عن ابن عباس قال: يعملون خائفين.
(٨) في (ظ): (من العمل الصالح. سقط فيها البر).
(٩) روى وكيع في "الزهد" ١/ ٣٩٠، وأحمد في "الزهد" ص ٢٨٦، والطبري ١٨/ ٣٢ عن الحسن الشطر الأول مه، ولفظ باقيه عندهم: وهم مشفقون -وعند الطبري: يخافون- أن لا ينجيهم ذلك من عذاب ربَّهم.

صفحة رقم 8

وقال مجاهد في هذه الآية: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل (١).
وقال قتادة والسدي: يُعطون ما أعطوا ويعملون ما عملوا من خير وقلوبهم خائفة من الله (٢).
وهذا المعنى الذي ذكره المفسرون هو ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق (٣)؟ قال: "لا كما ابنة الصديق! ولكنّه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه" (٤).
وكانت عائشة تقرأ: (يأتون ما أتوا) (٥) أي يعملون ما عملوا. يقال:
_________
(١) رواه الطبري ١٨/ ٣٢، وذكره السيوطي في الدر المنثور" ٦/ ١٠٦، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.
(٢) رواه عن قتادة: عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٤٦، والطبري ١٨/ ٣٣، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٦ وزاد نسبته لعبد بن حميد. ولم أجد من ذكره عن السدي.
(٣) (ويسرق): ساقطة من (ظ)، (ع).
(٤) رواه الإمام أحمد في "مسنده" ٦/ ١٥٩، والترمذي في (كتاب التفسير -ومن سورة المؤمنين ٩/ ٩، ٢٠، وابن ماجه في أبواب الزهد- باب التوقي على العمل ٢/ ٤٢٥، والطبري في "تفسيره" ١٨/ ٣٤، والحاكم في "مستدركه" ٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤، والبغوي في "معالم التنزيل" ٥/ ٤٢١.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٥ وعزاه لمن تقدم سوى البغوي، وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في نعت الخائفين. وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان.
والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" ١/ ٩٥ - ٩٧.
(٥) بفتح الياء، وألف بعدها، و"ما أتوا" مقصور.
انظر: "الشواذ" لابن خالويه ص ٩٨، "المحتسب" لابن جني ٢/ ٨٩٥، "تعليل القراءات الشواذ" للعكبري ص ٢٧٥.

صفحة رقم 9

فلان يأتي العمل الصالح ويأتي العمل الخبيث، ولهذا (١) ذهب وَهْمُها (٢) إلى أنّه الذي يزني ويشرب (٣) ويسرق.
وسألها عبيد بن عيير عن قراءتها فقالت: أشهد لكذلك (٤) كان رسول الله يقرؤها، وكذلك أنزلت (٥).
والقراء اليوم مجمعون على يُؤْتُونَ مَا آتَوْا.
قال ابن عمر: يؤدون الزكاة (٦).
وإنّما خَصَّ إيتاء الزكاة من بين الطاعات؛ لأن من أدّى الزكاة وأطاع الله فيها فهو في غيرها أطوع، وكأنَّ إيتاء الزكاة عبارة عن الأعمال

(١) في (ظ): (وهذا).
(٢) وهمها: أي ظنها. انظر: "الصحاح" للجوهري ٥/ ٢٠٥٤ (وهم).
(٣) ويشرب: ساقط من (أ).
(٤) في (أ): (كذلك).
(٥) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل ١٥٧ أ)، والإمام أحمد في مسنده ٦/ ٩٥، ١٤٤. والبخاري في كتابه "الكنى" ص ٢٨.
قال ابن كثير في "تفسيره" ٣/ ٢٤٨: فيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. قال ابن كثير ٣/ ٢٤٨: والمعنى على القراءة الأولى -يعني يؤتون- وهي قراءة السبعة وغيرهم أظهر، لأنَّه قال "أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون" فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى -يعني: يأتون ما أتوا- لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين. والله أعلم. اهـ.
(٦) رواه الطبري ١٨/ ٣٢ من رواية ابن أبجر، عن ابن عمر.
وفي سنده جهالة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٦ وزاد نسبته للفريابي. وذكر ابن عطية ١٠/ ٣٧٠ عن ابن عباس وابن جبير أنهما قالا: هو عام في جميع أنواع البرّ. ثم قال ابن عطية: وهذا حسن، كأنَّه قال: والذين يعطون من أنفسهم في طاعه الله ما بلغه جهدهم.

صفحة رقم 10

الصالحة، إذْ هو الأفضل والأشق على النفس.
قال الحسن في هذه الآية: المؤمن جمع إحْسانًا وشفقة (١).
فأما نظم الآية فقد ذكر الفراء وجهًا، وذكر الزَّجَّاج وجها آخر، وجمعها صاحب النظم وشرحهما.
قال الفراء: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أنّهم (٢) من أنَّهم فإذا ألقيت (مِنْ) نصبت (٣).
وقال الزَّجَّاج: قلوبهم خائفة؛ لأنهم إلى ربهم راجعون، أي لأنهم يوقنون بأنّهم يرجعون إلى الله يخافون (٤).
وقال صاحب النظم: في هذه الآية قولان:
أحدهما: أن يكون قوله: وَجِلَةٌ واقعًا على قوله: أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ وهو على تأويل: خائفون (٥) رجوعهم. أي يخافون رجوعهم إلى ربِّهم. [فيكون الخوف منهم واقعًا على البعث والحساب وما يكون فيهما. وهذا معنى قول الفراء.
والقول الآخر: أن يكون الخوف واقعًا على مضمر، وقوله: أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ سببًا له على تأويل: وقلوبهم وجلةٌ أنَّها لا تقبل منهم لعلمهم أنهم إلى ربهم] (٦) راجعون. والخوف واقع (٧) على أنه لا يقبل منهم نفقاتهم.

(١) رواه الطبري ١٨/ ٣٢. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٠٥ وزاد نسبته لابن أبي حاتم.
(٢) عند الفراء: وجلةٌ من أنّهم.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٣٨.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٧.
(٥) في (أ)، (ع): (خائفة).
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٧) في (أ): (واقع عليه على أنّه) بزيادة عليه.

صفحة رقم 11

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية