ﰈﰉﰊﰋﰌ

والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ( ٥٨ ) والذين هم بربهم لا يشركون ( ٥٩ ) :
نلحظ في هذه الآيات أن الحق سبحانه حدثنا عن الإشفاق والخشية، ثم عن الإيمان بآيات الله، ثم في النهاية عن مسألة الشرك. وقد تسأل : لماذا لم يبدأ بالتحذير من الشرك ؟
نقول : لأن الشرك المراد هنا الشرك الخفي الذي يقع فيه حتى المؤمن، والذي قال الله فيه : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ( ١٠٦ ) [ يوسف ] : فلا تظن أن الشرك فقط أن تجعل لله شريكا، أو أن تسجد لصنم، فمن الشرك شرك خفي دقيق يتسرب إلى القلب ويخالط العمل مهما كان صاحبه مؤمنا.
لذلك، فالنبي ( ص ) يعلمنا الأدب في هذه المسألة، فيقول في دعائه : " اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك " ١.
فالإنسان يشرع في العمل ويخلص فيه النية لله، ومع ذلك يتسرب إليه شيء من الرياء وتزيين الشيطان، لذلك وصف النبي ( ص ) الشرك الخفي بأنه أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء٢.
كما أن الشرك الأكبر لا يتصور ممن هذه الصفات المتقدمة صفاته.

١ - ذكره ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم" (ص ٢٧) من دعاء مطرف بن عبد الله أنه كان يقول: "اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أف لك به، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت"..
٢ - أخرج أحمد في مسنده (٤/٤٠٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: "أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير