ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

الأمر الثالث : أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ( ٦٩ ) :
يعني : أنزل عليهم رسول من السماء لا يعرفون سيرته وخلقه ونسبه ومسلكه قبل أن يبعث ؟ إنهم يعرفونه جيدا، وقبل بعثته سموه " الصادق الأمين " وارتضوا حكومته بينهم في مسألة الحجر الأسود، وكانوا يأتمنونه على ودائعهم ونفائس أموالهم، ولم يجربوا عليه كذبا أو خيانة أو سقطة من سقطات الجاهلية.
وقد شرحت هذه المسألة في قول الله تعالى : لقد جاءكم رسول من أنفسكم.. ( ١٢٨ ) [ التوبة ] : يعني : من جنسكم، ومن نوعكم، ومن قبيلتكم، ليس غريبا عنكم وهو معروف لكم : سلوكه وسيرته وخلقه، وإذا لم تجربوا عليه الكذب مع الخلق، أتتصورون منه أن يكذب على الخالق ؟.
وهل رسول الله في أول بعثته لما أخبر الناس أنه رسول الله جاء القرآن ليحمل الناس على الإيمان به ؟ لا، إنما جاء ليتحدى من لم يؤمن، أما من آمن بداية، بمجرد أن قال محمد : أنا رسول الله قال : صدقت، وحيثية التصديق ما جرب عليه في الماضي، وما علم من صدقه، وأنه لم يكذب أبدا، لذلك كان المقياس عند الصحابة أن يقول رسول الله، فإن قال فالمسألة منتهية لأنه صادق لا يشك أحد منهم في صدقه.
لذلك النبي ( ص ) لما قال أبو بكر في مسألة الإسراء والمعراج : إن كان قال فقد صدق٢، يحملها رسول الله تقديرا لأبي بكر ويقول : " كنت أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسي رهان " يعني : في الخلق الطيب والسلوك السّوي فسبقته للنبوة فاتبعني، ولو سبقني هو لاتبعته ".
ولما نزل جبريل- عليه السلام- على سيدنا رسول الله ( ص ) في أول الوحي فأجهده، فذهب إلى السيدة خديجة- رضي الله عنها- وحكى لها ما حدث له كأنه يستفهم منها عما حدث ولم يخبرها أنه رسول من عند الله، ومع ذلك أخذته إلى ورقة بن نوفل، وكان على علم بالكتب السابقة، فلما سمع ورقة بن نوفل ما حدث قال : إنه الناموس الذي كان ينزل على موسى وليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال ( ص ) : " أومخرجي هم ؟ " قال : " ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلى عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا " ٣.
ومع ذلك يظل رسول الله ( ص ) خائفا قلقا أن يكون هذا شيئا من الشيطان، فتطمئنه السيدة خديجة، فهذا لا يعقل مع رسول الله، لذلك تقول له : " إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم، وتحمل الكلّ٤، وتعين على نوائب٥ الدهر، والله لن يخذلك الله أبدا " ٦.
ومن هنا اعتبروا السيدة خديجة أول مجتهدة في الإسلام، لأنها اجتهدت واستنبطت من مقدمات رسول الله قبل البعثة دليلا على صدقه بعد البعثة، لذلك كانت أول من سميت بأم المؤمنين، حتى قال بعض العارفين : خديجة أم المؤمنين بما فيهم رسول الله ( ص )، لأنه في هذه السن كان في حاجة إلى أم أكثر من حاجته إلى عروس صغيرة تدلله، وقد قامت خديجة- رضي الله عنها- فعلا بدور الأم لرسول الله فاحتضنته، وطمأنته ووقفت بجواره في أشد الأوقات وأحرجها.
كما نلحظ في الآية : أم لم يعرفوا رسولهم.. ( ٦٩ ) [ المؤمنون ] : فأضاف الرسول إليهم يعني : رسول لهم، أما في الإضافة إلى الله تعالى : رسول الله، فالمعنى رسول منه، وهكذا يختلف المعنى باختلاف الإضافة.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير