ولما نزلت براءة عائشة – رضي الله عنها – حلف أبوها لا ينفق على مسطح شيئا ؛ غضبا لعائشة، وكان ينفق عليه ؛ لقرابته، فأنزل الله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يقول الحق جل جلاله : يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خُطواتِ الشيطان أي : لا تسلكوا مسالكه في كل ما تأتون وتذرون من الأفاعيل، والتي من جملتها : منع الإحسان إلى من أساء إليكم ؛ غضباً وحَمِيَّةً، ومن يتبع خُطُوات الشيطان ، وضع الظاهر موضع المضمر، حيث لم يقل : ومن يتبعها، أو : ومن يتبع خطواته ؛ لزيادة التقرير والمبالغة في التنفير، فإنه أي : الشيطان يأمرُ بالفحشاء ؛ كالبخل والشح، وكل ما عَظُمَ قُبْحُهُ، والمنكر ؛ كالغضب، والحمية، وكل ما ينكره الشرع ؛ لأن شأن الشيطان أن يأمر بهما. فمن اتبع خطواته فقد امتثل أمره.
ولولا فضلُ الله عليكم ورحمتُه بالهداية والتوفيق لأسباب التطهير والعصمة والحفظ، ما زَكَى منكم أي : ما طَهُرَ من أَدْناسِ العيوب ولوث الفواحش من أحدٍ أبداً ؛ إلى ما لا نهاية له، وإذا كان التطهير والعصمة بيد الله فلا تروا لأنفسكم فضلاً عمن لم يعصمه الله ؛ فإنه مقهور تحت مجاري الأقدار، ولَكِنَّ الله يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ؛ يطهر من يشاء من عباده ؛ بإفاضة آثار فضله ورحمته عليه ؛ بالحفظ والرعاية، أو بالتوبة بعد الجناية، والله سميعٌ عليم ؛ سميع لأقوالكم وإن خفيت، ومن جملتها : الحلف على ترك فعل الخير، عليم بنياتكم وإخلاصكم.
ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً، فإذا تعلق بالله، واضطر إليه اضطرار الظمآن إلى الماء طهَّره الله وزكاه، إما بلا سبب، أو بأن يلقيه إلى شيخ كامل، يُربيه ويهذبه بإذن الله، وهذا هو الكثير، والكل منه وإليه.
قال الورتجبي قوله تعالى : ولولا فضل الله عليكم ورحمته... إلخ : بيّن أن تطهير العباد من الذنوب لا يكون إلا بفضله السابق وعنايته الأزلية، كيف يزكي العِلَلَ ما يكون عللاً، فالمعلول لا يُطَهِّرُ، والمعلول أفعال الحدثان على كل صنف، ولطف القديم له استحقاق ذهاب العلل بوصوله. قال السياري : قال الله : ولولا فضل الله عليكم ، ولم يقل : لولا عبادتكم وصلاتكم وجهادكم وحسن قيامكم بأمر الله ما نجا منكم أحد ؛ ليعلم أن العبادات، وإن كثرت، فإنها من نتائج الفضل. هـ.
قال في الحاشية : وظهر لي أن الآية مقدمة لما ندب إليه الصدِّيق بقوله : ولا يأتل أولو الفضل منكم ، ففيه إشارة إلى أن فضله وزكاته فضل من الله عليه، وعنايةٌ سابقةٌ، وهي سبب حِفْظِهِ وتحليه بِخِلَعِ كوامل الأوصاف، فليشهدْ ذلك، ولا يأتل على من لم يجد ذلك، حتى وقع فيما وقع من القذف، بل يعذره، ويرى مِنَّةَ الله عليه في كونه نَزَّهَهُ بعنايته من الوقوع في مثل ذلك، مع كون المحل قابلاً، ولكن الله خَصَّصَهُ. هـ.
قال الورتجبي على قوله : ولا يأتل... إلخ : في الآية بيانُ وتأديبُ الله للشيوخ والأكابر ألاَّ يهجروا صاحب العثرات والزلات، من المريدين، ويتخلقوا بخلق الله، حيث يغفر الذنوب العظامَ ولا يبالي، وأَعْلَمَهُمْ ألاّ يَكُفُّوا أعطافهم عنهم. ثم قال : فَإنَّ مَنْ لَهُ اسْتِعْدَادٌ لا يَحْتَجِبُ بِعَوَارِضِ البَشَرِيَّةِ عَنْ أَحْكَامِ الطَّرِيقَةِ أبَداً. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي