وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون٥٦ :
دائما ما يقرن القرآن بين هذين الركنين، وتأتي الزكاة بعد الصلاة ؛ ذلك لأن الصلاة هي الركن الوحيد الذي فرض من الله مباشرة، أما بقية الأركان فقد فرضت بالوحي، وضربنا لذلك مثلا، ولله تعالى المثل الأعلى بالرئيس الذي يكلف مرؤوسية بتأشيرة أو بالتليفون، فإن كان الأمر مهما استدعى الموظف المختص إلى مكتبه وكلفه بهذا الأمر مباشرة لأهميته.
فكذلك الحق- تبارك وتعالى- أمر بكل التكاليف الشرعية بالوحي، إلا الصلاة فقد فرضها على رسول الله بعد أن استدعاه إلى رحلة المعراج فكلفه بها مشافهة دون واسطة، ولما يعلمه الله تعالى من محبة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته قال له : أنا فرضت عليك الصلاة بالقرب، وكذلك أجعلها للمصلي في الأرض بالقرب، فإن دخل المسجد وجدني.
وإن كانت أركان الإسلام خمسة، فإن الشهادة والصلاة هما الركنان اللذان لا ينحلان عن المؤمن بحال من الأحوال، فقد لا تتوفر لك شروط الصوم أو الزكاة أو الحج فلا تجب عليك، كما أن الصلاة هي الفريضة المكررة على مدار اليوم والليلة خمس مرات، وبها يتم إعلان الولاء لله دائما، وقد وزعها الحق سبحانه على الزمن ليظل المؤمن على صلة دائمة بربه كلما شغلته الدنيا وجد ( الله أكبر ) تناديه.
وانظر إلى عظمة الخالق- عز وجل – حين يطلب من صنعته أن تقابله وتعرض عليه كل يوم خمس مرات، وهو سبحانه الذي يطلب هذا اللقاء ويفرضه عليك لمصلحتك أنت، ولك أن تتصور صنعة تعرض على صانعها كل يوم خمس مرات أيصيبها عطب ؟.
وربك هو الذي يناديك ويدعوك للقائه ويقول : " لا أمل حتى تملوا " ١ ومن رحمته بك ومحبته لك ترك لك حرية اختيار الزمان والمكان، وترك لك حرية إنهاء المقابلة متى تشاء، فإن أردت أن تظل في بيته وفي معيته فعلى الرحب والسعة.
ولأهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام اجتمع فيها كل أركان الإسلام، ففي الصلاة تتكرر الشهادة : لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الصلاة زكاة ؛ لأن الزكاة فرع العمل، والعمل فرع الوقت، والصلاة تأخذ الوقت نفسه، وفيها صيام حيث تمتنع في الصلاة عما تمتنع عنه في الصوم بل وأكثر، وفيها حج لأنك تتجه في صلاتك إلى الكعبة.
إذن : فالصلاة نائبة عن جميع الأركان في الاستبقاء، لذلك كانت هي عمود الدين، والتي لا تسقط عن المؤمن بحال من الأحوال حتى إن لم يستطع الصلاة قائما صلى جالسا أو مضجعا، ولو أن يشير بأصبعه أو بطرفه أو حتى يخطرها على باله ؛ ذلك لاستدامة الولاء بالعبودية لله المعبود.
والصلاة تحفظ القيم، فتسوي بين الناس، فيقف الغني والفقير والرئيس والمرؤوس في صف واحد، الكل يجلس حسب قدومه، وهذا يحدث استطراقا عبوديا في المجتمع، ففي الصلاة مجال يستوي فيه المجتمع.
وإن كانت الصلاة قوام القيم، فالزكاة قوام المائدة لمن ليست له قدرة على الكسب والعمل. إذن : لدينا قوانين للحياة، ولاستدامة الخلافة على الأرض قوام القيم في الصلاة، وقوام المادة في الزكاة.
ثم يقول سبحانه : وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ٥٦ ( النور ) : وهنا في الصلاة والزكاة خص الرسول بالإطاعة ؛ لأنه صاحب البيان والتفصيل لما أجمله الحق سبحانه في فرضية الصلاة والزكاة، حيث تفصيل كل منهما في السنة المطهرة، فقال : وأطيعوا الرسول... ٥٦ ( النور ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي