ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

قل لهم يا محمد ؛ تقريعاً لهم وتهكماً بهم، وتحسراً على ما فاتهم : أذلك خيرٌ ، والإشارة إلى السعير، باعتبار اتصافها بما فُصِّل من الأحوال الهائلة، وما فيه من معنى البُعد ؛ لكونها في الغاية القاصية من الهول والفظاعة. أي : قل لهم أذلك الذي ذكر من السعير، التي أعدت لمن كذب بالساعة، وشأنها كيت وكيت ؛ خير أم جنةُ الخُلد التي وُعِدَ المتقون أي : وعدها الله المتقين ؟ وإنما قال :" أذلك خير "، ولا خير في النار ؛ تهكماً بهم. كما تقدم، وإضافة الجنة إلى الخلد ؛ للمدح، وقيل : للتمييز عن جنات الدنيا. والمراد بالمتقين : المتصفون بمطلق التقوى، لا بغايتها. كانت تلك الجنة لهم في علم الله تعالى، أو في اللوح، جزاءً على أعمالهم، ومصيراً يصيرون إليه بعد الموت.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : تبارك الذي إن شاء جعل ذلك خيراً من ذلك، وهي جنة المعارف المعجلة، تجري من تحتها أنهار العلوم وفيض المواهب، ويجعل لك قصوراً تنزل فيها، ثم ترحل عنها، وهي منازل السائرين ومقامات المقربين، إلى أن تسكن في محل الشهود والعيان، وهو العكوف في حضرة الإحسان. بل كذَّبوا بالساعة، أي : من تنكب عن هذا الخير الجسيم، إنما سببه أنه فعل فِعْل من يُكذب بالساعة ؛ من الانهماك في الدنيا، والاشتغال بها عن زاد الآخرة. وأَعتدنا لمن فعل ذلك سعيراً، أي : إحراقاً للقلب بالتعب، والحرص، والجزع والهلع، والإقبال على الدنيا، إذا قابلتهم من مكان بعيد سمعوا لها تَغَيُّظاً وزفيراً ؛ غيظاً على طلابها، حيث آثروها على ما فيه رضا مولاها، وإذا ألقوا في أشغالها، وضاق عليهم الزمان في إدراكها، دعَوا بالويل والثبور، وذلك عند معاينة أعلام الموت، والرحيل إلى القبور، ولا ينفعهم ذلك. قل : أذلك خير أم جنة الخلد ؟، وهي جنة المعارف، التي وُعد المتقون لكل ما سوى الله، كانت لهم جزاء على مجاهدتهم وصَبْرهم، ومصيراً يصيرون إليها بأرواحهم وأسرارهم. لهم فيها ما يشاؤون ؛ لكونهم حينئذٍ أمرهم بأمر الله، كان على ربك وعداً مسؤولاً، أي : مطلوباً للعارفين والسائرين. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير