وهنا بعد أن ذكر النار وما لها من شهيق وزفير، يقول سبحانه :
قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا١٥ :
قل١٥ ( الفرقان )أمر لرسول الله بأن يقول، والمقول له هم الذين اعترضوا على نبوته صلى الله عليه وسلم باعترضات واهية من المعاصرين له، وكانوا يتخبطون في هذه المسائل تخبط من لا يعرف فيها حقيقة، وإنما غرضه فقط أن يتعرض لرسول الله في أمر دعوته، والتعرض لأي نبي في أمر دعوته من المعاصرين له أمر طبيعي : لأن الرسل إنما يجيئون حين يستشري الفساد.
وسبق أن قلنا : إن الحق سبحانه وتعالى – جعل في كل نفس ملكة تجعل الإنسان يفعل شيئا، ثم تأتي ملكة أخرى فيه لتلومه على ذلك، حينئذ تكون المناعة في ذات الإنسان ويسمونها اللوامة، لكن قد تنطمس فيه هذه الملكة، فتتعاون كل ملكاته على الشر، بحيث تكون النفس بكل ملكاتها أمارة بالسوء، وهي أمارة بصيغة المبالغة لا آمرة أي : أنها أخذت هذا الأمر حرفة لها.
كما لو رأيت رجلا ينجر في قطعة من الخشب تقول له : ناجر، فإن اتخذها حرفة له، لا يعمل إلا هي، تقول له : نجار، ومثله : خائط وخياط. فالمعنى : أمارة يعني : لم يعد لها عمل في أن تردع عن الشر، بل دائما تقوي نوازع الشر في النفس، وتتأصل فيها حتى تصير لها حرفة.
فماذا يكون الموقف إذن ؟.
لا بد أن يجعل الحق سبحانه في نفوس قوم آخرين ملكة الخير ليواجهوا أصحاب هذه الأنفس الأمارة بالسوء، يواجهونهم بالنصح والإرشاد والموعظة، ويصرفونهم عن الشر إلى الخير. فإذا ما فسد المجتمع كله، لا نفس مانعة، ولا مجتمع مانع، فلا بد أن تتدخل السماء برسول جديد.
ومن رحمة الله بالعالم أنه سبحانه ضمن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون فيها النفس اللوامة، وضمن لما أن يظل مجتمعها آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر ؛ لذلك لا حاجة لرسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن : فالمناعة موجودة في أمة الإسلام، ولو لم تكن هذه المناعة موجودة في النفس أولا، وفي المجتمع ثانيا لتدخلت السماء بعد رسول الله برسول جديد ومعجزة جديدة ليعيد الخلق إلى رشدهم.
ولا شك أن في المجتمع طائفة تنتفع بهذا الفساد، ويعيشون في ترف في ظله، فطبيعي- إذن- أن يدافعوا عنه، وطبيعي أن يتصدوا لدعوة الرسول التي جاءت لتعدل ميزان المجتمع، وأن يقفوا له بالمرصاد ؛ لأنه يهدد هذه النفعية ويقضي على مصلحتهم.
وإن كان الرسل السابقون قد تعرضوا لمثل هذا الاضطهاد، فقد تعرض رسول صلى الله عليه وسلم لأضعاف ما تعرضوا له ؛ لأن اضطهاده صلى الله عليه وسلم جاء مناسبا لضخامة مهمته، فقد جاءت الرسل قبله، كل إلى أمته خاصة في زمن محدد، أما رسالته صلى الله عليه وسلم فقد جاءت للناس كافة، تعم كل الزمان وكل المكان إلى أن تقوم الساعة، فلا بد إذن أن تكون مهمته أصعب.
وهؤلاء الكبراء الذين ينتفعون بالفساد في المجتمع يظنون أن رسول الله إذا لوح له بالمال والنعيم يمكن أن يتنازل عن دعوته، ويترك لهم الساحة ؛ لذلك اجتمع صناديد قريش على رسول الله، يلوحون له بالمال والجاه والسلطان، ليصدوه عن الدعوة ويصرفوه عنها، هؤلاء الذين سماهم أستاذنا الشيخ موسى : دستة الشر، وكانوا اثنا عشر رجلا، منهم : أبو البختري١، وأبو جهل، وأبو سفيان، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وعتبة بن ربيعة، ومنبه بن الحجاج، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، ونبيه ابن الحجاج٢.
لقد ذهب هؤلاء ٣ إلى سيدنا رسول الله يقولون : " نحن وفد قومك إليك، جئنا لنقدم المعذرة حتى لا يلومنا أحد بعد ذلك، فإن كنت تريد مالا جمعنا لك الأموال، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ".
وفرق بين المال والشرف : المال أن يكون الإنسان غنيا، لكن ربما لا شرف له، ولا مكانة بين الناس، وهناك من له شرف وسيادة، وليس له مال.
ونلحظ أنهم ارتقوا في مساومة رسول الله من المال إلى الشرف والسيادة، ثم إلى الملك. فماذا كان موقفه صلى الله عليه وسلم ؟ كان موقفه هو الموقف الذي مهد الله له به، حينما عرض عليه جبريل عليه السلام أن يجعل الله له جبال مكة ذهبا، فقال صلى الله عليه وسلم :" بل أشبع يوما فأشكر، وأجوع ثلاثة أيام فأتضرع " ٤.
وفي موقف آخر، قال له جبريل : يخيرك ربك أن تكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا ؟ فقال : " بل نبيا عبدا " ٥.
والنبي مالك منهج السماء، والملك الذي ملك يملك السيطرة بحيث لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه، مثل سليمان عليه السلام، حيث آتاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ومع ذلك لم يكن هذا الملك هو المطلوب في ذاته، بدليل أن سليمان –عليه السلام- مع ما أوتيه من الملك كان لا يأكل إلا الخوشكار يعني : الخبز الأسمر غير النقي ( الردة ) في حين يأكل عبيده ومواليه الدقيق الفاخر النقي٦، فلم يكن سليمان يريد الملك لذاته، إنما ليقوى به على دعوته، فلا يعارضه فيها أحد.
لذلك، لما أرسلت إليه ملكة سبأ بهدية لتستميله بها وتصرفه عما يريد رد عليها : فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون٣٦ ( النمل )،
لذلك جاءته صاغرة تقول : رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين٤٤ ( النمل ).
إذن : مسألة المال هذه عرضت على رسول الله قبل أن يقترحها كفار مكة، فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد رفضه ممن يملكه، فكيف يقبله ممن لا يملك شيئا ؟ لذلك قال لهم : والله ما بي حاجة إلى ما تقولون، فلست طالب مال، ولا ملك، ولا شرف، إنما أنا رسول الله أرسلت إليكم، ومعي كتاب فيه منهجكم، وأمرني ربي أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فإن جئتم على ما أحب فقد ضمنتم حظ الدنيا والآخرة، وإن رددتم علي قولي فإنني سأصبر إلى أن يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين٧.
فلجئوا إلى عم النبي صلى الله عليه وسلم، لعله يستطيع أن يستميله، فلما كلمه عمه قال قولته المشهورة :" والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه " ٨.
أذلك١٥ ( الفرقان ) : أي : ما أنتم فيه الآن من العذاب خير، أم جنة الخلد التي وعد المتقون ؟ احكموا أنتم في هذه المسألة وسنرضى بحكمكم، إنها إغاظة لأهل النار، حيث جمع الله عليهم مقاساة العذاب مع النظر إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم، ولو كانت الأولى وحدها لكانت كافية، إنما هو في العذاب ويأتيه أهل الجنة ليبكتوه : انظر ما فاتك من النعيم ! !.
وفيها أيضا تقريع لهم، فليس هناك وجه للمقارنة بين الجنة والنار، فأنت مثلا لا تقول : العسل خير أو الخل ؛ لأنه أمر معروف بداهة.
وسبق أن تكلمنا عن الصراط، ولماذا ضرب على متن جهنم، والجميع يمرون عليه ؛ لأن الله- تبارك وتعالى- يريد أن يجعل لك من مرائي النار التي تمر عليها فوق الصراط نعمة أخرى تذكرك بالنجاة من النار قبل أن تباشر نعيم الجنة.
لذلك لا يمتن الله علينا بدخول الجنة فحسب، إنما أيضا بالنجاة من النار، فيقول سبحانه : فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز... ١٨٥ ( آل عمران ).
فالحق- سبحانه وتعالى- يذكر لنا النار، وأن من صفاتها كذا وكذا، أما في الآخرة فسوف نراها رأي العين، كما قال سبحانه : ثم لترونها عين اليقين٧ ( التكاثر )وذلك حين تكون على الصراط، فتحمد الله على الإسلام الذي أنجاك من النار، وأدخلك الجنة، فكل نعمة منها أعظم من الأخرى.
وفي قوله تعالى : قل أذلك خير أم جنة الخلد... ١٥ ( الفرقان ) : كلمة خير في اللغة تدور على معنيين : خير يقابله شر، وخير يقابله خير أعظم منه. كما جاء في الحديث الشريف :" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " ٩ فكلاهما فيه خير، وإن زاد الخير في المؤمن القوي، وعادة ما تأتي ( من ) في هذا الأسلوب : هذا خير من هذا.
أما الخير الذي يقابله شر، فمثل قوله تعالى : أولئك هم خير البرية٧ ( البينة ).
والجنة كما نستعملها في استعمالات الدنيا : هي المكان المليء بالأشجار والمزروعات التي تستر السائر فيها، أو تستر صاحبها أن ينتقل منها إلى خارجها ؛ لأن بها كل متطلبات حياته، بحيث يستغني بها عن غيرها، لذلك أردفها الحق- تبارك وتعالى- بقوله : الخلد... ١٥ ( الفرقان ).
إذن : فالجنة التي تراها في الدنيا مهما بلغت فليست هي جنة الخلد ؛ لأنها لابد إلى زوال، فعمرها من عمر دنياها، كأنه سبحانه يقول كل صاحب جنة في الدنيا : لا تغتر بجنتك ؛ لأنها ستؤول إلى زوال، وأشد الغم لصاحب السرور أن يتقين زواله، كما قال الشاعر :
أشد الغم عندي في سرور **** تيقن عنه صاحبه انتقالا
لذلك يطمئن الله تعالى عباده المؤمنين بأن الجنة التي وعدهم بها هي جنة الخلد والبقاء، حيث لا يفني نعيمها، ولا ينغص سرورها، فلذاتها دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة.
وقوله تعالى : التي وعد المتقون١٥ ( الفرقان ) : الوعد هنا من الله تعالى الذي يملك كل أسباب الوفاء، والوعد بشارة بخير قبل مجيئه لتستعد لأن تكون من أهله، ويقابله الإنذار، وهو التهديد بشر قبل مجيئه لتتلافاه، وتجتنب أسباب الوقوع فيه.
وكلمة( متق ) الأصل فيها من جعل بينه وبين الشر وقاية، كما يقول سبحانه : فاتقوا النار٢٤ ( البقرة ) : يعني : اجعلوا بينكم وبينها وقاية.
ومن العجيب أن يقول سبحانه : اتقوا الله١٩٤ ( البقرة )، ويقول فاتقوا النار٢٤ ( البقرة ) : والمعنى : اجعلوا بينكم وبين صفات جلاله القهرية وقاية ؛ لأنكم لا تتحملون صفات قهره، والنار جند من جنود الله في صفات جلاله، فكأنه تعالى قال : اتقوا جنود صفات الجلال من الله.
وقوله تعالى : كانت لهم جزاء... ١٥ ( الفرقان ) : أي : جزاء لما قدموا، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى : كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية٢٤ ( الحاقة ) : فهذا تعليل ما هم فيه من النعيم : أنهم كثيرا ما تعبوا، واضطهدوا وعذبوا، وجزاء من عذب في ديننا أن نسعده الآن في الآخرة.
ومصيرا١٥ ( الفرقان ) : أي : يصيرون إليه، إذن : لا تنظر إلى ما أنت فيه الآن، لكن انظر إلى ما تصير إليه حتما، وتأمل وجودك في الدنيا، وأنه موقوت مظنون، ووجودك في الآخرة وأنه باق دائم لا ينتهي، لذلك يقولون : إياك أن تدخل مدخلا لا تعرف كيفية الخروج منه.
٢ ذكر ابن هشام في السيرة النبوية(١/٢٦٤)أنهم تسعة نفر، واستثنى ممن ذكرهم الشيخ: أمية بن خلف، النضر بن الحارث.
هذا الوفد ذهبوا إلى أبي طالب وقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (١/٢٦٥)وانظر موقفا آخر(١/٢٩٥)..
٣ هو: الوليد بن المغيرة في واقعة أخرى أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يا بن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا، حتى لا لانقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أمولنا حتى نبرك منه. (سيرة ابن هشام١/٢٩٣-٢٩٤) باختصار..
٤ عن أبي أمامة قال النبي صلى الله عليه وسلم:"عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما وقال ثلاثا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك. أخرجه الترمذي في سننه(٢٣٤٧)، وأحمد في مسنده (٥/٢٥٤). قال الترمذي: حديث" حسن..
٥ أخرجه ابن مبارك في الزهد(ص٢٦٥)، والطبراني في المعجم الكبير(١٠٦٨٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد(٩/٢٠):"فيه بقية بن الوليد وهو مدلس". وعزاه للطبراني في الأوسط وقال(١٠/٣١٥):"فيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
.
٦ أخرج أحمد في الزهد(ص١٤١ طبعة دار الكتاب العربي-بيروت) عن عطاء رضي الله عنه قال: كان سليمان عليه السلام يعمل الخوص بيده، ويأكل خبز الشعير، ويطعم بني إسرائيل الحوارى. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٧/١٨٩) في تفسير آية ٣٥ –سورة ص. والحواري هو الدقيق الأبيض النقي..
٧ ذكره ابن هشام في السيرة النبوية بنحو هذا (١/٢٩٦)..
٨ أورده ابن هشام في السيرة النبوية (١/٢٦٦) معزوا لابن إسحاق، أن قريشا قالوا لأبي طالب: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب هذه المقالة..
٩ أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده (٢/٣٦٦-٣٧٠) ومسلم في صحيحه (٢٦٦٤)وابن ماجة في سننه (٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
تفسير الشعراوي
الشعراوي