ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

ثم ذكر تعالى تنعمهم فيها بعد أن ذكر نعيمهم بقوله تعالى : لهم فيها أي : الجنة ما يشاؤون من كل ما تشتهيه أنفسهم كما قال تعالى : ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ( فصلت، ٣١ ) وفيها ما تشتهي الأنفس ( الزخرف، ٧١ ) فإن قيل : أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لابد وأن يريدوها، فإذا سألوها ربهم فإن أعطاها لهم لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة، وإن لم يعطها لهم قدح ذلك في قوله تعالى : لهم فيها ما يشاؤون ؟ أجيب : بأن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما هم فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم، وقوله تعالى : خالدين منصوب على الحال إما من فاعل يشاؤون، وإما من فاعل لهم لوقوعه خبراً، والعائد على ما محذوف أي : لهم فيها الذي يشاؤونه حال كونهم خالدين وقوله تعالى : كان على ربك أي : وعدهم ما ذكر وعداً يدل على أن الجنة جعلت لهم بحكم الوعد والتفضل لا بحكم الاستحقاق، وقوله تعالى : مسؤولاً أي : مطلوباً، اختلف في السائل، فالأكثر على أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ( آل عمران، ١٩٤ ).
روي أنه صلى الله عليه وسلم قال :«ما منكم من يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا : إذاً نكثر ؟ قال : الله تعالى أكثر »، وروي :«أنه يدعى بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه الله تعالى بين يديه فيقول : عبدي فيقول : نعم يا رب فيقول : إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني ؟ أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك أليس دعوتني يوم كذا وكذا لما نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك ؟ فيقول : نعم يا رب فيقول : إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا لما نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجاً ؟ قال : نعم يا رب فيقول : إني ادّخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها ؟ فيقول : نعم يا رب فيقول : إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها ؟ فيقول : نعم يا رب، فيقول : إني ادّخرت لك بها في الجنة كذا وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له، إما أن يكون عجل له في الدنيا وإما أن يكون ادخر له في الآخرة فيقول المؤمن في هذا المقام : يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه »، وروي :«لا تعجلوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد »، وروي :«ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة » وروي :«يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول : دعوت فلم يستجب لي »، وروي :«لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل : يا رسول الله ما الإستعجال قال : يقول : قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر » أي : يمل عند ذلك ويدع الدعاء، فليدع الإنسان وهو موقن بالإجابة.
وقال محمد بن كعب القرظي : الطلب من الملائكة للمؤمنين سألوا ربهم للمؤمنين بقولهم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم وقيل : إن المكلفين سألوها بلسان الحال ؛ لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعة الله كان ذلك قائماً مقام السؤال، قال المتنبي :

في النفس حاجات وفيك فطانة سكوتي كلام عندها وخطاب

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

الشربيني

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير