ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

ثم يقول الحق سبحانه :
لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا١٦ :
في الآية السابقة قال سبحانه : جنة الخلد... ١٥ ( الفرقان ) : وهنا يقول خالدين.... ١٦ ( الفرقان ) : وهذه من المواضع التي يرى فيها السطحيون تكرارا في كلام الله، مع أن الفرق واضح بينهما، فالخلد الأول للجنة، أما الثاني فلأهلها، بحيث لا تزول عنهم ولا يزولون هم عنها.
وقوله : لهم فيها ما يشاءون... ١٦ ( الفرقان ) : كأن امتياز الجنة أن يكون للذي دخلها ما يشاء، وفي هذه المسألة بحث يجب أن نتنبه إليه لهم فيها ما يشاءون.... ١٦ ( الفرقان ) : يعني : إذا دخلت الجنة فلك فيها ما تشاء. إذن : لك فيها مشيئة من النعيم، ولا تشاء إلا ما تعرف من النعيم المحدود، أما الجنة ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وهذا الوعد لا يتحقق للمؤمن إلا في الجنة، أما في الدنيا فلا أحد ينال كل ما يشاء- حتى الأنبياء- ألا ترى أن نوحا عليه السلام طلب من ربه نجاة ولده. فقال : إن ابني من أهلي... ٤٥ ( هود ) : فلم يجب إلى ما يشاء.
ومحمد صلى الله عليه وسلم – رغم كل المحاولات- لم يتمكن من هداية عمه أبي طالب، وهذا لا يكون إلا في الدنيا، لذلك فاعلم أن الله تعالى حين يحجب عنك ما تشاء في الدنيا إنما ليدخره لك كما يشاء في الآخرة، مع أن الكثيرين يظنون هذا حرمانا، وحاشا لله تعالى أن يحرم عبده.
وفي قوله : لهم فيها ما يشاءون... ١٦ ( الفرقان ) : عطاءات أخرى، لكن ربك يعطيك على قدر معرفتك بالنعيم، ويجعل عليك( كنترولا ) فأنت تطلب وربك يعطيك، ويدخر لك ما هو أفضل مما أعطاك.
والمشيئة في الأخرى ستكون بنفسيات وملكات أخرى غير نفسيات وملكات مشيئات الدنيا، إنها في الآخرة نفوس صفائية خالصة لا تشتهي غير الخير، على خلاف ما نرى في الدنيا من ملكات تشتهي السوء، لأن الملكات هنا محكومة بحكم الجبر في الأشياء والاختيار في أشياء : الجبر في الأشياء التي لا تستطيع أن تتزحزح عنها كالمرض والموت مثلا، أما الاختيار ففي المسائل الأخرى.
ثم يقول سبحانه : كان على ربك وعدا مسئولا١٦ ( الفرقان ) : الوعد- كما قلنا- البشارة بخير قبل أوانه. وبعض العلماء يرى أن وعدا هنا بمعنى حق، لكن هل لأحد حق عند الله ؟
وفي موضع آخر يسميه تعالى جزاء، فهل هو وعد أم جزاء ؟ نقول : حينما شرع الحق سبحانه الوعد صار جزاء ؛ لأن الحق- تبارك وتعالى- لا يرجع في وعده، ولا يحول شيء دون تحقيقه.
وكلمة مسئولا١٦ ( الفرقان ) : من السائل هنا ؟ قالوا : الله تعالى علمنا أن نسأله، واقرأ قوله تعالى : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك... ١٩٤ ( آل عمران ) : فقد سألناها نحن.
وكذلك سألتها الملائكة، كما جاء في قوله سبحانه على لسان الملائكة : ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم... ٨ ( غافر ).
فالجنة- إذن- مسئولة من أصحاب الشأن، ومسئولة من الملائكة الذين يستغفرون لنا١.

١ أخرج ابن أبي حاتم البيهقي من طريق سعيد بن هلال عن محمد بن كعب القرظي في قولهكان على ربك وعدا مسئولا١٦(الفرقان) قال: إن الملائكة تسأل لهم ذلك في قولهم وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم... ٨(غافر) قال سعيد: وسمعت أبا حازم يقول: إذا كان يوم القيامة قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا، فانجز لنا ما وعدتنا، فذلك قولهوعدا مسئولا ١٦(الفرقان). أورده السيوطي في الدر المنثور(٦/٢٤١)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير