الحق والبيان في آيات القرآن :( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا ).
المناسبة :
لما رد تعالى اعتراضاتهم وأبطل شبهاتهم.. أخبر تعالى بأنه لا يزال القرآن كذلك يدمغ باطلهم بحقه فيزهقه، و يصدع غشاء تمويههم بصادق بيانه فيمزقه ؛ لطمأنة قلب نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – و تثبيته ووعد له بدوام النصر والتأييد.
المفردات :
( المثل ) هو الشبه هذا أصله. ثم يطلق على الكلام الذي قيل أول ما قيل في مقام. ثم لحسنه و إيجازه حفظ وجرى على الألسنة، وصار يقال في كل مقام يشابه مقاله الأصلي الذي قيل فيه أولا لمشابهة المقام الثاني للمقام الأول.
المثل ومنشؤه وتدرجه :
ثم صار يطلق أيضا على كل كلام فيه بيان لشيء و تصوير له، سواء أطابق ذلك البيان والتصوير الواقع و أتى بالحق، أم لم يطابق الواقع ولم يأت بالحق. وهذا المعنى هو المراد هنا.
فإن المشركين جاءوا بكلمات في حق الله تعالى، و في حق كتابه، وفي حق ملائكته، و في حق نبيه، لم يطابقوا فيها الواقع، و لا أتوا فيها بحق : كقولهم في الله وملائكته :" لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا " (١). وفي نبيه :" ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق ". (٢). و في القرآن :" أساطير الأولين اكتتبها " (٣). ٣ " لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " (٤).
فهذه هي أمثالهم التي ضربوها فضلوا.
وجاء القرآن بعد كلماتهم الباطلة بالحق الدامغ مثل قوله تعالى :" قل : أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض " (٥). " وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق " (٦) " كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا " (٧).
فهذه هي أمثال الله التي جاءت بالحق و أحسن تفسيرا.
( التفسير ) : الكشف عن المعنى.
التراكيب :
وصلت الجملة لمشاركتها لما قبلها في الخبرية، والمخبر عنهم والموضوع المتحدث عنه مما جاءوا به من الباطل، وما رد عليهم من الحق. وجملة ( جئناك ) خالية من كاف الخطاب المفعول في :( لا يأتونك ).
والحصر بالنفي و إلا في تلك الحال، والتقدير : و لا يأتونك بمثل في حال من أحوالك إلا في حال مجيئنا لك بالحق وأحسن تفسيرا.
والتعبير بالمضارع في ( يأتونك ) يفيد الحدوث وتجدد الإتيان منهم.
والتعبير بالماضي في ( جئناك ) مع أنه في معنى المستقبل يفيد تحقق المجيء، وهو المناسب لمقام الوعد والتثبيت(٨).
المعنى :
و لا يأتيك يا محمد، هؤلاء المشركون وأمثالهم، بكلام يحسنونه ويزخرفونه، يصورون به شبهة باطلة، أو اعتراضا فاسدا، إلا جئناك بالكلام الحق الذي يدمغ باطلهم، و يدحض شبههم، و ينقض اعتراضهم، ويكون أحسن بيانا وأكمل تفصيلا.
اهتداء :
القرآن يدافع عن القرآن :
إذا تتبعت آيات القرآن وجدتها قد أتت بالعدد الوافر من شبه الضالين واعتراضاتهم، ونقضتها بالحق الواضح والبيان الكاشف في أوجز لفظ وأقربه وأبلغه.
وهذا قسم عظيم جليل من علوم القرآن يتحتم على رجال الدعوة والإرشاد أن يكون لهم به فضل عناية، ومزيد دراية وخبرة.
و لا نحسب شبهة ترد على الإسلام، إلا وفي القرآن العظيم ردها بهذا الوعد الصادق من هذه الآية الكريمة.
فعلينا عند ورود كل شبهة من كل ذي ضلالة أن نفزع إلى آي القرآن، ولا إخالنا إذا أخلصنا القصد وأحسنا النظر إلا واجديها فيها.
و كيف لا نجدها في آيات ربنا هي الحق و أحسن تفسيرا ؟ !
اقتداء :
واجب الدعاة :
لنقتد بالقرآن فيما نأتي به من كلام في مقام الحجاج، أو مقام الإرشاد. فلنتوخ دائما الحق الثابت بالبرهان أو بالعيان، ولنفسره أحسن التفسير ولنشرحه أكمل الشرح، ولنقربه إلى الأذهان غاية التقريب. وهذا يستدعي صحة الإدراك، وجودة الفهم ومتانة العلم لتصور الحق ومعرفته. ويستدعي حسن البيان، وعلوم اللسان لتصوير الحق وتجليته والدفاع عنه.
فللاقتداء بالقرآن في الإتيان بالحق وأحسن بيان، علينا أن نحصل هذه كلها، ونتدرب فيها، ونتمرن عليها، حتى نبلغ إلى ما قدر لنا منها. هذا ما على أهل الدعوة والإرشاد، وخدمة الإسلام والقرآن.
فأما ما على عموم المسلمين من هذا الاقتداء : فهو دوام القصد إلى الإتيان بالحق، وبذل الجهد في التعبير بأحسن لفظ وأقربه.
ومن أخلص قصده في شيء وجعله من وكده أعين – بإذن الله تعالى – عليه.
٢ الفرقان الآية : ٧.
٣ سورة الفرقان الآية ٥..
٤ الفرقان الآية : ٣٢..
٥ الفرقان الآية : ٦..
٦ الفرقان الآية ٧.
٧ الفرقان الآية : ٣٢..
٨ ففيه استعارة تصريحية للتصريح بلفظ المشبه به، وتبعية لأنها في الفعل..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي