ثم سلى نبيه بما جرى على الأمم قبله، فقال :
وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً * وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً * وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً * وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً
قلت :( وقوم ) : منصوب بمضمر يدل عليه ( دمرناهم )، أي : ودمرنا قوم نوح، و( عاداً وثموداً ) : عطف على ( قوم نوح ).
يقول الحق جل جلاله : و دمرنا أيضاً قومَ نوحٍ ، وذلك أنهم لمَّا كذَّبوا الرسلَ ؛ نوحاً، ومن قبله شَيْثاً وإدريس، أو : لأن تكذيبهم لواحد تكذيب للجميع ؛ لاتِّفَاقِهمْ على التوحيد والإسلام، أغرقناهم بالطوفان، وجعلناهم أي : وجعلنا إغراقهم أو قصتهم للناس آية : عبرة يعتبر بها كل من يشاهدها أو يسمعها.
وأَعْتَدنا ؛ هيأنا للظالمين أي : لهم. وأظهر في موضع الإضمار ؛ للإيذان بتجاوزهم الحد في الظلم، أو لكل ظالم ظلم شرك، فيدخل كل من شاركهم، كقريش وغيرهم، أي : هيأنا عذاباً أليماً ، أي : النار المؤبدة عليهم.
وينبغي للمريد، إذا رأى فقيراً سقط من درجة الإرادة ويبست أشجاره، أن يحترز من تلك الزلاقة التي زلق فيها، فيبحث عن سبب رجوعه، ويجتنبه جهد استطاعته. ومرجعها إلى ثلاث : خروجه من يد شيخه إلى غيره، وسقوط تعظيم شيخه من قلبه ؛ بسبب اعتراض أو غيره، واستعمال كثرة الأحوال، حتى يلحقه الملل. نسأل الله الحفظ من الجميع بمنِّه وكرمه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي