ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

٣٧ - قوله تعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ قال الفراء: نصبت قوم نوح بـ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ وإن شئت بالتدمير المذكور قبلهم (١).
قوله: لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ وقال الزجاج: من كذب نبيًا فقد كذب جميع الأنبياء (٢)، وقوم نوح إذ كذبوه، فقد كذبوا أيضًا من قبله من الرسل (٣)، فلذلك قال: لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ وهذا قول الكلبي، قال:

(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٨. واعترض النحاس على الفراء في أنه منصوب بـ أَغْرَقْنَاهُمْ فقال: وهذا لا يحصل؛ لأن أغرقنا ليس مما يتعدى إلى مفعولين فيعمل في المضمر، وفي قوم نوح. إعراب القرآن ٣/ ١٦١.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٧. بمعناه. واقتصر على هذا الواحدي في "الوجيز" ٢/ ٧٧٩، حيث قال: من كذَّب نبياً فقد كذب الرسل كلهم؛ لأنهم لا يفرقون بينهم في الإيمان. وكذا البغوي ٦/ ٨٤ وابن عطية ١١/ ٤٠. واختاره ابن كثير ٦/ ١١٠.
(٣) ما ذكره الواحدي من تكذيبهم للأنبياء الذين كانوا قبل نبي الله نوح -صلى الله عليه وسلم- غير مسلَّم؛ لأن نوحاً -صلى الله عليه وسلم- أول الرسل، ليس قبله أحد كما دل على ذلك قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣]، "الأصول الثلاثة وحاشيته" ص ٤٩. ومن السنة حديث الشفاعة الطويل، وفيه: فَيَاتُونَ نُوحًا يقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أوَلُ الرُسُلِ إِلَى أَهْل الأرْضِ وَسَمَّاكَ الله عَبْدا شَكُورًا أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا أَلا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبكَ. أخرجه البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، رقم: ٣٣٤٠، "الفتح" ٦/ ٣٧١، ومسلم ١/ ١٨٠، كتاب الإيمان، رقم: ١٩٣. ومثل ما قال الواحدي قال البقاعي ١٣/ ٣٨٧: ولأنهم كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم. وكذا أبو السعود ٦/ ٢١٨، والقاسمي ١٢/ ٢٦٣. وسمَّى بعضَهم البرسوي ٦/ ٢١١: كشيث، وإدريس. ويحتمل جمع الرسل في الآية ما قاله ابن عاشور ١٩/ ٢٧: لأنهم أول من كذب رسولهم، فكانوا قدوة للمكذبين مِن بعدهم. وقد أجاب ابن حجر ٦/ ٣٧٢، على من استشكل كون نبي الله نوح -صلى الله عليه وسلم- أول الرسل، بنبوة آدم، وإدريس، عليهما الصلاة والسلام بأجوبة منها: أن نوحًا -عليه السلام- أول الرسل إلى أهل الأرض؛ لأن في زمن آدم -عليه السلام-. لم يكن للأرض أهل، وأما إدريس -عليه السلام- فلم يثبت أنه كان قبل نوح -عليه السلام-. والله أعلم.

صفحة رقم 501

يعني نوحًا وما جاءهم من خبر الرسل (١)، قال: وجوز أن يكون يعني به الواحد، ويذكر لفظ الجنس، كما تقول للرجل الذي ينفق الدرهم الواحد: أنت ممن ينفق الدراهم؛ أي: ممن نفقته من هذا الجنس. وفلان يركب الدوابَّ وإن لم يكن يركب إلا دابَّة واحدة (٢). وهذا قول ابن عباس، ومقاتل؛ لأنهما قالا في قوله: كَذَّبُوا الرُّسُلَ يعني: نوحًا وحده (٣).
قوله: أَغرَقنَاهُمْ أي: بالطوفان (٤). قال الكلبي: أمطر الله عليهم من السماء أربعين يومًا، وخرج ماء الأرض أربعين يومًا، فصارت الأرض بحرًا واحداً (٥).
وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ أي: لِمن بعدهم آيَةً عبرة (٦)، ودلالة على

(١) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣، بمعناه.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٨، بنصه قال السمرقندي ٢/ ٤٦١: يعني نوحًا وحده، كما قال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ [المؤمنون: ٥١] ولم يكن إلا واحد وقت هذا الخطاب فيجوز أن يذكر الجماعة ويراد به الواحد، كما يذكر الواحد ويراد به الجماعة.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. وأيد هذا القرطبي ١٣/ ٣١، فقال: لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده. وذكر الطوسي ٧/ ٤٩٠، وجهاً غريباً في الآية، فقال: وقيل: المعني نوحاً، والرسل من الملائكة.
(٤) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. و"تفسير الطبري" ١٩/ ١٣. وهذا إغراق عام، لم ينج منه سوى أصحاب السفينة فقط. "تفسير ابن كثير" ٦/ ١١١.
(٥) هذا التحديد لم أجد له دليلاً، فالماء قد فجره الله من تحتهم، وأنزله من فوقهم فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر ١١ - ١٢].
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. و"تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٤، عن الربيع بن أنس. وفيه: عبرة ومتفكر.

صفحة رقم 502

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية