ثم يقول الحق سبحانه :
ولقد أتوا(١) على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا٤٠ :
هذه المشاهد لم تكن مجرد تاريخ يحكيه القرآن، إنما مشاهد ومراء رآها كفار مكة في رحلة الصيف يمرون على هذه الديار، كما قال سبحانه في موضع آخر : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ١٣٧ وبالليل أفلا تعقلون١٣٨ ( الصافات ) : إذن : فهذا التاريخ له واقع يسانده، وآثار تدل عليه.
والقرية التي أمطرت مطر السوء هي سدوم قرية قوم لوط أفلم يكونوا يرونها... ٤٠ ( الفرقان ) : ألم يشاهدوها في أسفارهم.
بل كانوا لا يرجون نشورا٤٠ ( الفرقان ) : كلمة( بل ) للإضراب، فهي تنفي ما قبلها، وتثبت ما بعدها، فالمعنى : أنهم مروا عليها وشاهدوها، ويعرفونها تمام المعرفة، لكنهم لا يرجون نشورا يعني : لا ينتظرون البعث، ولا يؤمنون به، ولا يعترفون بالوقوف بين يدي الله للحساب، ألم يقولوا : أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون٨٢ ( المؤمنون ).
وعجيب ألا يؤمن هؤلاء بالبعث والحساب، وهم أنفسهم كانوا إذا رأوا ظالما وقفوا في وجهه ومنعوه من الظلم، كما كان في حلف الفضول مثلا، فيأخذون الظالم ويعاقبونه حتى يرجع عن ظلمه، ثم يردون للمظلوم حقه، لكن ألم ينظروا في حال الظالمين الذين مروا في الدنيا دون عقاب، ودون قصاص ؟ أليس من العدل أن تكون لهم دار أخرى يحاسبون فيها ؟
لذلك كنا نرد على الشيوعيين بهذه المسألة، نقول لهم : لقد عذبتم أعداءكم من الإقطاعيين والرأسماليين، وانتقمتم منهم فما بال الذين سبقوكم ولم تدركوهم ؟ أليس من العدل أن تعترفوا بيوم جامع يحاسب فيه هؤلاء ؟
ولما قال القائل : لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه، قالوا له : إن فلانا الظالم قد مات، ولم نر فيه شيئا، فقال : إن وراء هذه الدار دارا يجازى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
تفسير الشعراوي
الشعراوي