وهؤلاء جعلوا الصهر السبب المحرم، وهو الخلطة التي تشبه القرابة (١).
٥٥ - قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ قال ابن عباس: يريد الأصنام، والحجارة التي كانوا يعبدونها (٢).
وقال مقاتل: مَا لَا يَنْفَعُهُمْ في الآخرة، إن عبدوهم في الدنيا وَلَا يَضُرُّهُمْ في الدنيا، إن لم يعبدوهم (٣).
(١) وصحح هذا القول البغوي ٦/ ٩٠؛ فقال: وقيل: -وهو الصحيح- النسب من القرابة، والصهر: الخلطة التي تشبه القرابة.
(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١١، بسنده عن قتادة: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هذا الوثن، وهذا الحجر.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ب. وفي هذه الآية قُدم النفع على التفسير، وفي صدر هذه السورة عكس ذلك، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا.
وهكذا في مواضع أخر من كتاب الله، ونجد بعض أهل العلم يذكر حكمًا لتقديم النفع على التفسير في آيات، وعكسها في آيات أخرى، ومن ذلك الخطيب الإسكافي، في "درة التنزيل" ٣٢٨. وكذا غيره. قال ابن عاشور ١٨/ ٣٢٠: واعلم أن ضرًا ونفعًا، هنا جرى مجرى المثل لقصد الإحاطة بالأحوال، فكأنه قيل: لا يملكون التصرف بحال من الأحوال، وهذا نظير أن يقال: شرقًا وغربًا، وليلًا ونهارًا.. وبذلك أيضًا لا يتطلب وجه لتقديم الضر على النفع؛ لأن المقام يقتضي التسوية في تقديم أحد الأمرين، فالمتكلم مخير في ذلك. وهذا كلام جيد. والله أعلم.
وقوله: وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا الظهير: المعين، فعيل بمعنى مفاعل، كوزير وشريب، وأكيل. ونحو هذا قال ابن عباس، ومجاهد، والمفسرون، في تفسير الظهير، أنه: العون والمعين (١). قال مقاتل: يعني: معينًا للمشركين على أن لا يوحدوا الله (٢).
وقال الحسن: عونًا للشيطان على ربه بالمعاصي (٣). واختاره أبو إسحاق؛ فقال: لأنه يتابع الشيطان، ويعلو به على معصية الله؛ لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان (٤).
قال ابن عباس، وعطية، ومقاتل، والكلبي: يعني أبا جهل (٥).
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ ب. قال ابن القيم عن هذه الآية: هذا من ألطف خطاب القرآن، وأشرف معانيه، وأن المؤمن دائمًا مع الله على نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه، ثم ذكر عبارات السلف في تفسير الآية، ثم قال: وهذه العبادة هي الموالاة والمحبة والرضا بمعبوديتهم المتضمنة لمعيتهم الخاصة فظاهروا أعداء الله على معاداته ومخالفته، ومساخطه، بخلاف وليه -سبحانه وتعالى- فإنه معه على نفسه وشيطانه وهواه. "الفوائد" ص ٧٩ - ٨٥.
(٣) أخرجه بسنده، عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧٠. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١١، عن سعيد بن جبير. وذكر السيوطي تخريج عبد بن حميد وابن المنذر نحوه عن قتادة. "الدر المنثور" ٦/ ٢٦٧.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٣.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ ب. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٤. و"تفسير الهواري" =
وقال قوم: معنى: عَلَى رَبِّهِ على أولياء ربه، ورسل ربه، وحُذف المضاف للعلم به، وذلك أن من عادى أولياءك فقد عاداك. ومن ظاهر على صاحبك فقد ظاهر عليك. وذكر أبو علي الفارسي هذا الوجه، فقال: أولًا: الكافر في هذه الآية، اسم الجنس، كقولهم: كثر الشاة، والبعير، في أنه يراد به الكثرة، وقد جاء ذلك في اسم الفاعل كما جاء في سائر الأجناس، أنشد أبو زيد:
| إنْ تبْخَلِي يا جُمْلُ أوْ تَعْتَلِىّ | أو تُصبِحي في الظَّاعن المُولِّى (١) |
(١) أنشده أبو زيد في "النوادر" ص ٥٣، ونسبه لمنظور بن مرثد الأسدي، وأنشده أبو علي، "المسائل العسكرية" ص ٢٢٢، وفي الحاشية: جمل: اسم امرأة، تعتلي: تتمارضين، الظا عن: المرتحل، المولي: الذاهب.
(٢) واقتصر على هذا القول أبو عبيدة ٢/ ٧٧. واقتصر الواحدي في "الوسيط" ٣/ ٣٤٤. و"الوجيز" ٢/ ٧٨٢، على القول الأول مما يدل على ترجيحه له. والله أعلم.
ظهرتَ بحاجتي، إذا لم تُعْنَ بها (١)
قال الفرزدق:
| تمَيمَ بنَ زيد لا تكونن حاجتي | بظهر فلا يَعْيَا عليَّ جوابها (٢) |
وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها (٤)
من هذا، أي: تلك شكاة هي عنك تظهر، فلا تعتن بها (٥).
(٢) ديوان الفرزدق ١/ ٨٦، في سياق قصة، وقد ورد البيت في الديوان بلفظ:
| تميم بن زيد لا تهونن حاجتي | لديك ولا يعيا علي جوابها |
.. فلا يخفى علي جوابها
ثم قال ابن الأنباري: وأراد الفرزدق بقوله: لا تكونن حاجتي بظهر، لا تطَّرحها. وذكره الأزهري ٦/ ٢٥٦، غير منسوب. ونسبه القرطبي ١٣/ ٦٣، للفرزدق، وفيه: تميم بن قيس.
(٣) قال في (أ)، (ب)، ويعني به أبا علي الفارسي.
(٤) أنشده الأزهري ٦/ ٢٥٤، ونسبه لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في "ديوانه" ١١٥، وصدره:
وعيرها الواشون أني أحبها
وهو كذلك في "خزانة الأدب" ٩/ ٥٠٥.
(٥) رد ابن جرير ١٩/ ٢٧ هذا القول، واعترض عليه، وصحح القول الأول. فقال لأن الله تعالى ذكره أخبر عن عبادة هؤلاء الكفار من دونه، فأولى الكلام أن يتبع ذلك =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي