ويرد القرآن عليهم :
قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما٦ :
أنزله... ٦ ( الفرقان ) : أي : القرآن مرة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا الذي يعلم السر في السماوات والأرض... ٦ ( الفرقان ) : فلا تظن أنك بمجرد خلقك قدرت أن تكشف أسرار الله في كونه، إنما ستظل إلى قيام الساعة تقف على سر، وتقف عند سر آخر.
لماذا ؟ لأن الحق- سبحانه وتعالى- يريد أن يبطل هذه المدعيات، ويأتي بأشياء غيبية لم تكن تخطر على بال المعاصرين لمحمد، ثم تتضح هذه الأشياء على مر القرون، مع أن القرآن نزل في أمة أمية، والرسول الذي نزل عليه القرآن رجل أمي، ومع ذلك يكشف لنا القرآن كل يوم عن آية جديدة من آيات الله.
كما قال سبحانه : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق... ٥٣ ( فصلت ).
والحق- تبارك وتعالى- يكشف لرسوله صلى الله عليه سلم شيئا من الغيبيات، ليراها المعاصرون له ليلقم الكفار الذين اتهموه حجرا، فيكشف بعض الأسرار كما حدث في بدر وقف النبي صلى الله عليه وسلم في ساحة المعركة، وقف يشير بعصاه إلى مصارع الكفار، ويقول " هذا مصرع أبي جهل، وهذا مصرع عتبة بن ربيعة... " ١... الخ يخطط على الأرض مصارع القوم.
ومن الذي يستطيع أن يحكم مسبقا في معركة فيها كر وفر، وضرب وانتقال وحركة، ثم يقول : سيموت فلان في هذا المكان.
والوليد بن المغيرة والذي قال عنه القرآن٢ سنسمه على الخرطوم١٦ ( القلم ) : يعني : ستأتيه ضربة على أنفه تسمه بسمة تلازمه، وبعد المعركة يتفقده القوم فيجدونه كذلك.
هذه كلها أسرار من أسرار الكون يخبر بها الحق- تبارك وتعالى- رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول يخبر بها أمته في غير مظنة العلم بها.
ومن ذلك ما يروي من أن ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوجتا من ولدين لأبي لهب، فلما حدثت العداوة بينه وبين رسول الله أمر ولديه بتطليق ابنتي رسول الله، وبعدها رأي أحد الولدين رسول الله ماشيا، فبصق ناحيته، ورأى رسول الله ذلك فقال له :" أكلك كلب٣ من كلاب الله " ٤. فقال أبو لهب بعد أن علم بهذه الدعوة : أخاف على ولدي من دعوة محمد.
وعجيب أن يخاف هذا الكفار من دعوة رسول الله، وهو الذي يتهمه بالسحر وبالكذب ويكفر به وبدعوته.
ولما خرج هذا الولد في رحلة التجارة إلى الشام أوصى به القوم أن يحرسوه، ويجعلوا حوله سياجا من بضائعهم يحميه خشية أن تنفذ فيه دعوة محمد، وهذا منه كلام غير منطقي، فهو يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مرسل من عند الله، لكن يمنعه من الإيمان حقده على رسول الله وتكبره على الحق.
وخرج الولد في رحلة التجارة ورغم احتياطهم في حمايته هجم عليه سبع في إحدى الليالي واختطفه من بين أصحابه، فتعجبوا لأن رسول الله قال " كلب من كلاب الله " وهذا أسد ليس كلبا. قال أهل العلم : ما دام أن رسول الله نسب الكلب إلى الله، فكلب الله لا يكون إلا أسدا.
فالمعنى : قل يا محمد في الرد عليهم ولإبطال دعاواهم : أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض... ٦ ( الفرقان ) : وسوف يفضحكم ويبطل افتراءكم على رسول الله من قولكم إفك وكذب وافتراء وأساطير الأولين، وسوف يخزيكم أمام أعين الناس جميعا.
وعلى عهد رسول الله قامت معركة بين الفرس والروم غلبت فيها الروم، فحزن رسول الله لهزيمة الروم ؛ لأنهم أهل كتاب يؤمنون بالله وبالرسل، أما الفرس فكانوا كفارا لا يؤمنون بالله ويعبدون النار وغيرها. فمع أنهما يتفقان في تكذيبهم لرسول الله، إلا أن إيمان الروم بالله جعل رسول الله يتعصب لهم مع أنهم كافرون به، فعصبية رسول الله لا تكون إلا لربه عز وجل.
فلما حزن رسول الله لذلك أنزل الله تعالى عليه : آلم١غلبت الروم ٢ في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون٣ في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ٤ بنصر الله٥ ( الروم ).
فأي عقل يستطيع أن يحكم على معركة ستحدث بعد عدة سنوات ؟ لو أن المعركة ستحدث غدا لأمكن التنبؤ بنتيجتها، بناء على حساب العدد والعدة والإمكانات العسكرية، لكن من يحكم على معركة ستدور رحاها بعد سبع سنين ؟ ومن يجرؤ أن يقولها قرآنا يتلى ويتعبد به إلى يوم القيامة. فلو أن هذه المدة مرت ولم يحدث ما أخبر به رسول الله لكفر به من آمن وانفض عنه من حوله.
إذن : ما قالها رسول الله قرآنا يتلى ويتعبد به إلا وهو واثق من صدق ما يخبر به ؛ لأن الذي يخبره ربه- عز وجل- الذي يعلم السر في السماوات والأرض ؛ لذلك قال هنا الحق سبحانه وتعالى : قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض... ٦ ( الفرقان ).
ومن العجيب أن ينتصر الروم على الفرس في نفس اليوم الذي انتصر فيه الإيمان على الكفر في غزوة بدر، هذا اليوم الذي قال الله تعالى عنه : ويومئذ يفرح المؤمنون ٤بنصر الله.... ٥ ( الروم ).
وما دام أن الذي أنزل القرآن هو سبحانه الذي يعلم السر في السماوات والأرض، فلن يحدث تضارب أبدا بين منطوق القرآن ومنطوق الأكوان ؛ لأن خالقهما واحد- سبحانه وتعالى- فمن أين يأتي الاختلاف أو التضارب ؟.
ثم يقول سبحانه : إنه كان غفورا رحيما٦ ( الفرقان ) : فما مناسبة الحديث عن المغفرة والرحمة هنا ؟ قالوا : لأن الله- تبارك وتعالى- يريد أن يترك لهؤلاء القوم الذين يقرعهم مجالا للتوبة وطريقا للعودة إليه- عز وجل- وإلى ساحة الإيمان.
لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أشار عليه بقتل الكفار :" لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا " ٥.
وكان الصحابة يألمون أشد الألم إن أفلت أحد رءوس الكفر من القتل في المعركة، كما حدث مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص قبل إسلامهما، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدخرهم للإسلام فيما بعد.
فقوله تعالى : إنه كان غفورا رحيما٦ ( الفرقان ) : حتى لا يقطع سبيل العودة إلى الإيمان بمحمد على من كان كافرا به، فيقول لهم : على رغم ما حدث منكم، إن عدتم إلى الجادة وإلى حظيرة الإيمان ففي انتظاركم مغفرة الله ورحمته.
والحق- تبارك وتعالى- يبين لنا هذه المسألة حتى في النزوع العاطفي عند الخلق، فهند بنت عتبة٦ التي أغرت وحشيا ٧.
بقتل حمزة عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله، ولم تكتف بهذا، بل مثلت به بعد مقتله، ولاكت٨ كبده رضي الله عنه، ومع ذلك بعد أن أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم نسيت لها هذه الفعلة وكأنها لم تكن.
ولما قال أحدهم لعمر بن الخطاب : هذا قاتل أخيك ( يشير إليه ) والمراد زيد بن الخطاب٩، فما كان من عمر إلا أن قال : وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام ؟.
٢ قال ابن حجر في الفتح(٨/٦٦٢):"اختلف في الذي نزلت فيه، فقيل هو الوليد المغيرة وذكره يحي بن سلام في تفسيره. وقيل: الأسود بن عبد يغوث ذكره سند بن داود في تفسيره. وقيل: الأخنس بن شريق وذكره السهيلي عن القتيبي، وحكى هذين القولين الطبري".
٣ الكلب: كل سبع عقور، ومنه الأسد، قال ابن سيده: غلب الكلب على هذا النوع النابح. وقد يكون التكلب واقعا على الفهد وسباع الطير.(لسان العرب- مادة: كلب). اونظر فتح الباري(٤/٣٩)..
٤ وذلك أن عتيبة بن أبي لهب حين فارق أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء النبي وقال: كفرت بدينك، وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا أحبك، ثم تسلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق قميصه، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إني أسال الله أن يسلط عليه كلبه" (٦/١٩) وعزاه للطبراني مرسلا وقال:" فيه زهير بن العلاء وهو ضعيف"وقد أخرجه الحاكم في مستدركه (٢/٥٣٩)من حديث أبي عقرب وصححه، وحسنه ابن حجر في الفتح(٤/٣٩)..
٥ أخرج البخاري في صحيحه(٣٢٣١-٧٣٨٩)، وكذا مسلم في صحيحه(١٧٩٥)من حديث عائشة رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليه ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال صلى الله عليه وسلم:"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به"..
٦ هي: هند بنت عتبة بن ربيعة القرشية، والدة معاوية بن أبي سفيان، شهدت أحدا في جانب المشركين وفعلت ما فعلت بحمزة، وقد أسلمت يوم الفتح، ماتت في خلافة عثمان.(الإصابة في تمييز الصحابة ٨/٢٠٦)..
٧ هو: وحشي بن حرب الحبشي مولى بني نوفل، وهو اتل حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله يوم أحد، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغيب وجهه عنه، وقد شارك في حروب الردة في قتل مسيلمة وقد شهد موقعة اليرموك ثم سكن حمص ومات بها، وقد عاش إلى خلافة عثمان.(الإصابة ترجمة ٩١١٠)..
٨ لاك: مضغ. وهو مضغ الشيء الصلب تديره في فمك. واللوك: إدارة الشيء في الفم. (لسان العرب –مادة: لوك)..
٩ هو: زيد بن الخطاب بن نفيل العدوى، أخو عمر بن الخطاب لأبيه، أمه أسماء بنت وهب من بني أسد، أما أم عمر فهي حنتمة بنت هاشم المخزومية، وكان زيد أكبر سنا من عمر وأسلم قبله وشهد بدرا والمشاهد واستشهد باليمامة.(تمييز الصحابة ٣/٢٧).
تفسير الشعراوي
الشعراوي