الصفة الثالثة :
" والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما "
المناسبة :
لما ذكر فيما تقدم سلوكهم١ مع الخلق.. ذكر في هذه الآية سلوكهم في القيام بعبادة لحق. وفيما تقدم بيان حالهم عند اختلاطهم بالعباد، وفي هذه بيان حالهم عند تفردهم لرب العباد.
المفردات :
( يبيتون ) من البيتوتة، وهي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم. ويقابلها الظلول وهو أن يدركك النهار.
( السجد ) جمع ساجد. ( والقيام ) جمع قائم، وهو من الأوزان التي يشترك فيها المصدر والجمع.
التراكيب :
( الذين ) عطف على الخبر الأول، وأعيد لفظ الذين لاستقلال الحالة الثانية عن الأولى.
وقدم الجار٢ ليفيد تخصيص عبادتهم بربهم، ويفيد الكلام عبادتهم وإخلاصهم.
وقدم سجدا لأن السجود أقرب أحوال العبد للرب، لحديث :" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " :
ووقع قياما في موقعه مناسبا للفاصلة.
المعنى :
ومن صفات عباد الرحمن أنهم يحيون الليل، فيبيتون يصلون لربهم، يراوحون بين السجود والقيام.
بين وترغيب :
هذه الآية من آيات الحث على قيام الليل، مثل قوله تعالى :
" تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون " ٣.
قيام الرسول :
وقد بينت السنة المطهرة مقداره. فثبت في الموطأ من طريق أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها - :" أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم، ما كان يزيد في رمضان و لا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا ".
والسلام بعد كل ركعتين لحديث :" صلاة لليل مثنى مثنى ".
وثبت عند مسلم من طريق سعد بن هشام، عنها٤ بأنه كان يفتتح صلاته بالليل بركعتين خفيفتين، فتلك ثلاث عشرة.
وقد ثبت ذلك في الموطأ من طريق عروة عنها، قالت :
" كان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ".
وهذا هو الغالب من أحواله، وقد كان يصلي أقل منه في بعض الأحوال.
فقد ثبت عند البخاري من طريق مسروق عنها :" أن صلاته – صلى الله عليه وآله وسلم – بالليل سبع، وتسع، وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر ".
ومثل ما جاء عن عائشة من انتهاء ركعاته إلى ثلاث عشرة جاء في الموطأ من حديث ابن عباس.
وجاء فيه أيضا من حديث زيد بن خالد الجهني.
وفي هذه السنة العملية الثابتة بيان للقدر الأكمل، الذي يكون به العبد ممن يصدق عليهم هذا الوصف من صفات عباد الرحمن.
٢ لربهم.
٣ سورة السجدة، الآية: ١٦..
٤ عن عائشة رضي الله تعالى عنها..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي