ﯲﯳﯴﯵ

قوله : إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً . يجوز أن تكون «ساءت » بمعنى أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة المفعول، وهو هنا محذوف، أي : أنها يعني جهنم أحزنت صحابها و «مُسْتَقرًّا »(١) يجوز أن تكون تمييزاً وأن تكون حالاً(٢).
ويجوز أن تكون «سَاءَتْ » بمعنى بئست، فتعطي حكمها، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً، وفي «ساءت » ضمير مبهم يفسره(٣) مستقر و «مستقراً » يتعين أن يكون تمييزاً، أي : سَاءَتْ هي، فهي مخصوص وهو الرابط بين هذه الجملة وبين مَا وَقَعَتْ خبراً عنه، وهو «إنَّها كذا قدَّره أبو حيان(٤)، وقال أبو البقاء :«مُسْتَقَرًّا » تمييز، و «سَاءَتْ » بمعنى بئْسَ(٥). فإن قيل : يلزم من هذا إشكال، وذلك أنه يلزم تأنيث فعل الفاعل المذكَّر من غير مسوِّغ لذلك، فإنَّ الفاعل في «سَاءَتْ » على هذا يكون ضميراً عائداً على ما بعده، وهو «مُسْتَقَرًّا وَمُقَاماً »، وهما مذكران، فن أين جاء التأنيث ؟
والجواب : أن المستقرَّ عبارة عن جهنَّم فلذلك جاز تأنيث فعله، ومثله قوله :

أَوْ حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَيْجَاءَ مُجْفَرَةٍ دَعَائِمَ الزَّوْرِ نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ(٦)
و«مُسْتَقرًّا وَمُقَاماً » قيل : مترادفان(٧)، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما. وقيل : بل هما مختلفا(٨) المعنى، فالمستقرُّ للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكُفَّار فإنهم مخلدون(٩). فإن قيل : إنهم سألوا الله أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين : إحداهما(١٠) : أن عذابها كان غراماً. والثانية : أنها ساءت مستقراً ومقاماً فما الفرق بين الوجهين ؟
فالجواب : قال المتكلمون : عقاب الكافر يجب أن يكون مضرّة خالصة عن شوائب النفع ( دائمة، فقوله : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً إشارة إلى كونه مضرّة خالصة عن شوائب النفع ) (١١) وقوله : إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً إشارة إلى كونه دائماً، فحصلت المغايرة(١٢). وقرأت فرقة «مَقَاماً » بفتح الميم، أي : مكان قيام(١٣).
وقراءة العامة(١٤) هي المطابقة للمعنى، أي : مكان إقامة(١٥) وثُوِيٍّ.
وقوله : إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً يحتمل أن يكون من كلامهم، فتكون منصوبة المحل بالقول، وأن يكون من كلام الله تعالى(١٦).
١ في ب: ومستقر..
٢ انظر الكشاف ٣/١٠٤..
٣ في ب: مفسره..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٥١٣، وانظر الكشاف ٣/١٠٤..
٥ التبيان ٢/٩٩١..
٦ البيت من بحر البسيط، قاله ذو الرمة من قصيدة في مدح بلال بن أبي بردة وهو في الديوان ١/١٧٤، ابن يعيش ٧/١٣٦، المقرب ٧٢، الخزانة ٩/٤٢٠..
٧ انظر الكشاف ٣/١٠٤..
٨ في ب: مختلفان..
٩ انظر البحر المحيط ٦/٥١٣..
١٠ في ب: إحديهما..
١١ ما بين القوسين سقط من ب..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٠٩..
١٣ انظر تفسير ابن عطية ١١/٧٠، البحر المحيط ٦/٥١٣..
١٤ بالضم. تفسير ابن عطية ١١/٦٩، البحر المحيط ٦/٥١٣..
١٥ المرجعان السابقان..
١٦ فتكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب. انظر البحر المحيط ٦/٥١٣..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية