قوله :«وَجَدْتُهَا »، هي التي بمعنى١ لقيت وأصبت، فيتعدى لواحد، فيكون «يَسْجُدُونَ » حالاً من مفعولها وما عطف عليه، فإن قيل : كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان، وأيضاً : فكيف سوَّى بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظم ؟.
فالجواب عن الأول : يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان، فاستعظم لها٢ ذلك العرش ويجوز أن يكون لسليمان - مع جلالته - مثله كما قد يكون لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله للسلطان.
وعن الثاني : أنه وصف عرشها بالعظم بالنسبة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك، وَوَصْفُ عرشِ اللَّهِ بالعظم تعظيمٌ له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السماوات والأرض٣.
قال المفسرون : العرش السرير الضخم كان مضروباً من الذهب مكلّلاً بالدرّ والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة أبواب على كل بيت باب مغلق٤.
قال ابن عباس : كان عرشها ثلاثين ذراعاً في ثلاثين ذراعاً وطوله في السماء ثلاثون ذراعاً٥. واعلم أن قوله : الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش العظيم إن قلنا : إنه من كلام الهدهد، فالهدهد قد استدرك على نفسه، واستقلّ عرشها بالنسبة إلى عظمة عرش الله، وإن قلنا : إنه من كلام الله تعالى، فالله رد عليه استعظامه لعرشها٦.
فصل :
طعنت الملاحدة في هذه القصة من وجوه :
أحدها : أَنَّ هذه الآيات اشتملت على أنَّ النملة والهدهد تكلما بكلام لا يصدر ذلك إلاَّ عن العقلاء وذلك يجر إلى السَّفْسَطَة٧، فإنَّا لو جوَّزنا ذلك لما أمِنّا من النملة التي نشاهدها في زماننا هذا٨ أَنْ تكون أعلم بالهندسة من إقليدس٩، وبالنحو من سيبويه، وكذا القول في القملة والضئبان١٠، ولجوزنا أن يكون فيهم الأنبياء والمعجزات والتكاليف، ومعلوم أنَّ مَنْ جوّزه كان إلى الجنون١١ أقرب.
وثانيها : أنَّ سليمان - عليه السلام١٢ - كان بالشام، فكيف طار١٣ الهدهد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن، ثم رجع إليه ؟.
وثالثها : كيف خفي على سليمان ( عليه السلام )١٤ تلك المملكة العظيمة مع أنَّ الجن والإنس كانوا في طاعته، وأنه - عليه السلام١٥ - كان ملك الدنيا كلها، وكان تحت طاعة بلقيس - على ما يقال - اثنا عشر ألف تحت يد كل واحد منهم مائة ألف، مع ما يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلاَّ مسيرة ثلاثة أيام ؟.
رابعها : من أين حصل للهدهد إنكار سجودهم للشمس وإضافته للشيطان وتزيينه ؟.
والجواب عن الأول : أنّ ذلك الاحتمال قائم في أول العقل، وإنما يدفع ذلك بالإجماع١٦. وعن البواقي : أنَّ الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك١٧.
فصل١٨ :
قالت١٩ المعتزلة : قوله يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ يدل على أنَّ فعل العبد من جهته، لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته إليهم، وأورده مورد الذم، وبين أنهم لا يهتدون.
والجواب من جوه :
أحدها : أَنَّ هذا قول الهدهد فلا يكون حجة.
وثانيها : أنه متروك الظاهر : فإنه٢٠ قال : فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل ، وعندكم الشيطان، فإنه ما صدّ الكافر عن السبيل، إذ لو صدّه الشيطان عن السبيل لكان معذوراً ممنوعاً، فيسقط عنه التكليف فلم يبق إلاَّ التمسك بالمدح والذم، وجوابه قد تقدم٢١.
٢ لها: سقط من ب..
٣ انظر الكشاف ٣/١٣٩-١٤٠، الفخر الرازي ٢٤/١٩٠..
٤ انظر البغوي ٦/٢٧٣-٢٧٤..
٥ انظر البغوي ٦/٢٧٤..
٦ انظر البحر المحيط ٧/٧٠..
٧ السفسطة: قياس مركب من الوهميات، والغرض منه إفحام الخم وإسكاته (من اليونانية). المعجم الوسيط (سفسط)..
٨ هذا: سقط من ب..
٩ إقليدس وهو رياضي يوناني، علم في الإسكندرية، وضع مبادئ الهندسة المسطحة. المنجد في الأعلام (٥٨)..
١٠ الضئب: من دواب الحر. الضؤبان من الجمال: السمين الشديد. المعجم الوسيط (ضأب)..
١١ في ب: الجواب. وهو تحريف..
١٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٣ في ب: صار..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٦ في ب: الإجماع..
١٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٩٠-١٩١..
١٨ فصل: سقط من ب..
١٩ في ب : فإن قيل..
٢٠ في ب: كأنه..
٢١ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٩١..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود