ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

الآية الثانية عشرة :
" الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ".
الألفاظ :
( العرش ) : مخلوق عظيم من عالم الغيب، أعظم من السموات والأرض.
المعنى :
الموصوف بتلك الصفات، والمنعم بتك الإنعامات، المستحق للسجود منهم – وقد زين لهم الشيطان عدم السجود له – هو الله الذي لا معبود غيره، و لا يستحق العبادة سواه. خالق المخلوقات كلها، والمالك لها، والمدبر لأمرها، والمتصرف فيها، من أصغر مخلوق إلى أعظم مخلوق، وهو عرشه العظيم، الذي فاق كل ما نرى من عالم الشهادة.
توجيه الترتيب :
لما ذكر استحقاقه للعبادة بكمالاته وإنعاماته.. ذكر أن لا مستحق للعبادة غيره، إذ لا يشاركه في تلك الكمالات والإنعامات سواه ؛ فكأن الجملة كالنتيجة لما قبلها.
ولما ذكر وحدانيته في الألوهية فلا يعبد سواه.. ذكر وحدانيته في الربوبية، بانفراده بالخلق والملك والتصرف والتدبر لهذا المخلوق العظيم، ونبه به على ما دونه من المخلوقات.
ولما كان الحديث على عظمة ملك العباد : ملك النبوة وغيره، ذكر عظمة ملك الله، التي تصغر إزاءها كل عظمة.
بيان مراد :
قد يتماتل اللفظان، ولكن يجب أن يعبر كل واحد بمعنى لائق بالمقام الذي قيل فيه.
فلقد جاء في حق سليمان ( عليه السلام ) :" وأوتينا من كل شيء "، وصف الهدهد بلقيس بأنها ( أوتيت من كل شيء )، ولما كان المتحدث عنه أولا هو سليمان، فكل شيء يعم ما يحتاج إليه من أمر النبوة وملك النبوة.
كما أنه قد قال عنها.
" وله عرش عظيم ".
وقال عن الله :" رب العرش العظيم ".
فعرش عظيم بين عروش الملوك.
وعرش الله عظمته أعظم من السموات والأرض.
وهكذا لا بد من اعتبار المقام في فهم الكلام.
للعبرة والقدرة :
الهدهد الممتاز :
قد ألهم الله الحيوانات إلى ما قد يخفى عن بعض العقلاء، مضى منا كلام عن هذا فيما تقدم من هذه الآيات الكريمة.
وهذا الهدهد بين الهداهد، فله إلهام خاص، يقتضيه تخصيصه بهذا الموقف، واتصاله بسليمان عليه السلام، وزمن الأنبياء زمن خرق العوائد، وظهور الآيات١.
وقد كان في حسن بيانه، وترتيب أخباره، وبديع تهديه، عبارة بالغة لأولي الألباب.
فقد تحصن بالعلم، ونوه بالنبأ المتيقن، وفصل النبأ فشرح حاليها الدنيوية والدينية، وتنقل من تشويق إلى تشويق أبلغ منه. فكان متثبتا فيما أخبر، بارعا فيما صور، مستدلا فيما قرر، وفيما أنكر، بصيرا بكيد الشيطان للإنسان، متفطنا للأنبياء الضلالات بعضها على بعض، خبيرا بترتيب الأدلة وحسن الاستنتاج.
حديث عن الفطنة والكياسة :
وفي ما ذكر الله لنا من هذه العبر البالغة من هذا الحيوان الأعجم حث لنا على – أن نسلك – عندما نخبر ونبين، أو نبحث وننظر، أو نستدل ونرتب ونعلل – أن نسلك هذا المسلك.
وإذا كان الله – تعالى – قد بعث غرابا، ليتعلم منه ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه، فكذلك ذكر لنا أمر هذا الهدهد الممتاز بين الهداهد لنقتدي به، تنبيها لنا على أخذ العلم من كل أحد، والاستفادة من كل مخلوق، والشعور دائما بالنقص للسلامة من شر ادواء الإنسان : العجب. والكبر، والغرور " وقل رب زدني علما "، " وفوق كل ذي علم عليم ".
لمحة نفسية :
ميزة الهدهد :
الظواهر دلائل البواطن : فالمرء يعرف من سبحات وجهه، وفلتات لسانه.
وكثيرا ما تدل كلماته على مهنته أو فكرته وعقيدته، كما تدل هيئته أو لبسته وشمائله.
وما يبشره المرء تنطبع به نفسه، و يصطبغ خياله، فيجري على لسانه في تشبيهاته وتمثيلاته وفنون قوله، فقد تختلف العبارات عن شيء واحد في وقت واحد باختلاف نفسيات المتكلمين عليه.
وقد عرف الهدهد بين الطيور بثقوب البصر، والاهتداء إلى الماء في جوف الأرض، خصوصا هدهد سليمان الممتاز بين الهداهد، فلما استدل ذكر من صنع الله ما هو أقرب إليه، وأغلب عليه، وهو إخراج الخبء الذي منه الماء المخبوء في جوف الأرض.
إشارة علمية :
دلالة الصنعة على الصانع نظرية عقلية قطعية :
فكل ذي صنعة، في مكنته أن يستدل بصنعته عن وجود خالق هذا العالم وكماله يشاهد أن صنعته ما كانت إلا به، وبما له من قدرة فيها، وعلم بها ؛ فهداه ذلك إلى أن هذا العالم ما كان إلا من خالق قادر عالم.
فالهدهد ذكر ما هو من عمله في الاستدلال على وجود الخالق تعالى ووحدانيته، ومثله كل ذي صنعة.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد

١ أي المعجزات وخرق العادات.
.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير