ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

أَمَّا بَعْدُ: فَلَا تَعْلُوَا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ لَمْ يَزِدْ سُلَيْمَانُ عَلَى مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ كَانَتْ تَكْتُبُ جُمَلًا لَا يُطِيلُونَ وَلَا يُكْثِرُونَ. فَلَمَّا كَتَبَ الْكِتَابَ طَبَعَهُ بِالْمِسْكِ وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِهِ. فَقَالَ لِلْهُدْهُدِ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ
اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)
( اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ: سَاكِنَةَ الْهَاءِ، وَيَخْتَلِسُهَا أَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ وَقَالُونُ كَسْرًا، [وَالْآخَرُونَ بِالْإِشْبَاعِ كَسْرًا]، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ تَنَحَّ عَنْهُمْ فَكُنْ قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ يَرُدُّونَ مِنَ الْجَوَابِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مَجَازُهَا: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ، أَيْ: انْصَرِفْ إِلَيَّ، فَأَخَذَ الْهُدْهُدُ الْكِتَابَ فَأَتَى بِهِ إِلَى بِلْقِيسَ، وَكَانَتْ بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا "مَأْرِبُ" مِنْ صَنْعَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَوَافَاهَا فِي قَصْرِهَا وَقَدْ غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ، وَكَانَتْ إِذَا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَأَخَذَتِ الْمَفَاتِيحَ فَوَضَعَتْهَا تَحْتَ رَأْسِهَا، فَأَتَاهَا الْهُدْهُدُ وَهِيَ نَائِمَةٌ مُسْتَلْقِيَةٌ عَلَى قَفَاهَا، فَأَلْقَى الْكِتَابَ عَلَى نَحْرِهَا، هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: حَمَلَ الْهُدْهُدُ الْكِتَابَ بِمِنْقَارِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَأْسِ الْمَرْأَةِ وَحَوْلَهَا الْقَادَةُ وَالْجُنُودُ فَرَفْرَفَ سَاعَةً وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى رَفَعَتِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا فَأَلْقَى الْكِتَابَ فِي حِجْرِهَا.
وَقَالَ ابْنُ مُنَبِّهٍ، وَابْنُ زَيْدٍ: كَانَتْ لَهَا كُوَّةٌ مُسْتَقْبِلَةَ الشَّمْسِ تَقَعُ الشَّمْسُ فِيهَا حِينَ تَطْلُعُ، فَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهَا سَجَدَتْ لَهَا، فَجَاءَ الْهُدْهُدُ الْكُوَّةَ فَسَدَّهَا بِجَنَاحَيْهِ فَارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ تَعَلَمْ، فَلَمَّا اسْتَبْطَأَتِ الشَّمْسَ قَامَتْ تَنْظُرُ، فَرَمَى بِالصَّحِيفَةِ إِلَيْهَا، فَأَخَذَتْ بِلْقِيسُ الْكِتَابَ، وَكَانَتْ قَارِئَةً، فَلَمَّا رَأَتِ الْخَاتَمَ أُرْعِدَتْ وَخَضَعَتْ لِأَنَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ كَانَ فِي خَاتَمِهِ، وَعَرَفَتْ أَنَّ الَّذِي أَرْسَلَ الْكِتَابَ إِلَيْهَا أَعْظَمُ مُلْكًا مِنْهَا، فَقَرَأَتِ الْكِتَابَ، وَتَأَخَّرَ الْهُدْهُدُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَجَاءَتْ حَتَّى قَعَدَتْ عَلَى سَرِيرِ مَمْلَكَتِهَا وَجَمَعَتِ الْمَلَأَ مِنْ قَوْمِهَا، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَائِدٍ مَعَ كُلِّ قَائِدٍ مِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مَعَ بِلْقِيسَ مِائَةُ أَلْفٍ [قَيْلٍ، مَعَ كُلِّ قَيْلٍ مِائَةُ أَلْفٍ] وَالْقَيْلُ الْمَلِكُ دُونَ الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: كان أهل ٥٦/ب مشورتها ثلاثمائة وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، قَالَ: فَجَاءُوا وَأَخَذُوا مجالسهم (١). قَالَتْ هم بِلْقِيسُ: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ وَهُمْ أَشْرَافُ النَّاسِ وَكُبَرَاؤُهُمْ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ

(١) انظر الأقوال السالفة في الدر المنثور: ٦ / ٣٥٣-٣٥٤.

صفحة رقم 158

معالم التنزيل

عرض الكتاب
المؤلف

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي

تحقيق

محمد عبد الله النمر

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1417
الطبعة الرابعة
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية