نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٩:وهنا انتقل كتاب الله إلى حكاية ما دار بين ملكة سبأ وقومها حول كتاب سليمان، بعد وصول كتابه على يد سفيره الناصح الناجح قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم * إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين * قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون * قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين * قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون * وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون .
ومصداقا لقوله تعالى في سورة الأعراف : فاقصص القصص لعلهم يتفكرون [ الآية : ١٧٦ ]، استخرج علماؤنا رضوان الله عليهم بثاقب فكرهم من هذه القصة عدة توجيهات قرآنية، لها تأثير عميق في الحياة الإسلامية :
أولها التزام الشورى في الشؤون العامة، وعدم الاستبداد بالبت فيها وتصريفها، ودعوة أهل الحل، والعقد للنظر فيها، وعرض ما جد من الأحداث على أنظارهم دون تحفظ ولا اختزال، وهذا التوجيه يدل عليه ما حكاه كتاب الله من قول ملكة سبأ : قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم وقولها : قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون . وقد كان مجلس الشورى على عهد ملكة سبأ مؤلفا من ثلاثمائة وثلاثة عشر عضوا، كل عضو يمثل عشرة آلاف، حسبما رواه التاريخ.
وإنما وصفت ملكة سبأ كتاب سليمان بأنه ( كتاب كريم ) لأنه صيغ في لهجة مهذبة لا يشتم منها طمع في الملك، ولا رغبة في التوسع، وإنما تتضمن دعاء إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة
والتوجيه الثاني تصدير الكتاب والمرسلات باسم الله الرحمان الرحيم، وهو استفتاح شريف في مبناه، فريد في معناه، ثم ذكر اسم المرسل للكتاب قبل اسم المرسل إليه، وقد كان رسم المتقدمين إذا كتبوا كتابا أن يبدأوا بأنفسهم : من فلان إلى فلان، وبذلك جاءت الآثار. روى الربيع عن أنس رضي الله عنه قال : " ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أصحابه إذا كتبوا إليه كتابا بدأوا بأنفسهم ". على أن البدء باسم المكتوب إليه جائز وشائع، وقد يكون هو المناسب في بعض الأحيان، ومأخذ التوجيه الثاني هو قول ملكة سبأ : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري