قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين٤٤
وكان لسليمان قصر أجرى الماء تحته وجعل أرضه من زجاج، فأمر بوضع كرسيه في هذا القصر، وجلس على الكرسي، وقيل لبلقيس : ادخلي الصرح[ ليريها ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها ](١) فظنت أن سليمان يريد أن يقتلها غرقا، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقال لها سليمان : إنه صرح ممرد من قوارير.. بناء ومنزل رصفت أرضه وفرشت بألواح تشف عما تحتها، فاعترفت بخطئها، ورجعت عن غيها، وأنابت إلى ربها، وأعلنت إسلامها، وأقرت باتباع نبيها، والدخول في دين الله الذي بعثه ربه وارتضاه.
نقل كثير من المفسرين غرائب حول هذه القصة الكريمة، وأطالوا في سرد عجائب لا برهان على ثبوتها، أفاضوا في الحديث عن النملة، عن اسمها، وحجمها، وجنسها، حتى أوردوا أنها كانت عرجاء ! وبعضهم قال : كانت في حجم الذناب، ولعل من الطريف ما نقله القرطبي عن حجاج النملة لسليمان، وحملها إليه نبقة هدية، وتقديمها إليه مع أبيات شعرية، وكذا الحال بالنسبة إلى الهدهد، وشاركه كثير من أصحاب التفاسير المشهورة، بل نقل أنها توجهت إلى سليمان في اثنى عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت كل قيل مائة ألف[ ص ٢٠٢ ج ١٣ الجامع لأحكام القرآن ] ثم أورد ذلك مرة أخرى في ص ٢١٢(٢)، وبعضهم أورد خلافا : هل حج سليمان عليه السلام ؟ وكم من الشياه والبقر والإبل كان يقرب كل يوم ؟ ! وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح وأنفع وأبلغ ولله الحمد والمنة(٣).
ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون٣٥ قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون٣٦ .
بعث الله تعالى إلى قبيلة ثمود نبيا منهم هو صالح عليه السلام، وكانوا يسكنون الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى- وما زالت مدائن صالح خاوية البيوت المنحوتة في الجبال إلى يومنا هذا- دعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، كما بينت ذلك آية أخرى :).. قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. ( (٤) فآمنت طائفة، وسرعان ما انبرى لهم الكبراء المكابرون الكافرون يخاصمونهم ) قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون. قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون( (٥)، وكان من استعجالهم السيئة بدلا من طلب الحسنة أن تحدوا نبيهم ).. وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين( (٦)، فاستنكر عليهم رسولهم أن يتعجلوا البلاء، ويستحبوا العمى على الهدى، ويطيعوا دعاة الفساد والبغي، ويبطروا بما أوتوا، بدلا من تقوى الله وشكر نعمته وطلب عافيته، فهلا طلبتم إلى الله القوي القدير الغفور الشكور أن يستر عليكم ذنوبكم، وأن يعفو عن آثامكم، رجاء الصفح عن أوزاركم، لينجيكم من خزي الدنيا، ويعظم ثوابكم في الآخرة ؟ !
٢ يراجع من شاء[الجامع لأحكام القرآن] جـ ١٣ ص ١٦٩ وما بعدها، وروح المعاني جـ ١٩ ص ١٧٣ وما بعدها، وجامع البيان، جـ ١٩ من ص ٨٧..
٣ ذهب إلى هذا صاحب تفسير القرآن العظيم..
٤ سورة هود. من الآية ٦١..
٥ سورة الأعراف. الآيتان: ٧٥، ٧٦..
٦ سورة الأعراف. من الآية٧٧..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب