تمهيد :
هذه الآيات تحكي دلائل القدرة الإلهية، وتسير على طريقة الاستفهام الذي يأخذ على النفس أقطارها، فلا تجد مناصا من التسليم، فهي تبدأ بمقدمة للخطبة تذكر الحمد لله على نعمائه، والسلام على رسله وأصفيائه، ثم تستفهم وتواجه الكافرين فتقول :
١- من خلق السماوات والأرض وأنزل المطر المفيد النافع ؟
٢- من جعل الأرض قرارا مستقرة، وبارك فيها بالبحار والأنهار، ومنع البحرين من الالتقاء ؟
٣- من يجيب المضطر اللاجئ، ويكشف عنه السوء، وينظم حياة الناس على الأرض بالموت والحياة ؟
٤- من يهديكم في ظلام الليل والبحر، بالنجوم وغيرها من وسائل الهداية، ومن الذي يرسل الرياح مبشرات بنزول المطر ؟
٥- من خلق الكون والإنسان، ثم يعيد خلق ذلك ؟ ومن يرزقكم من السماء بالمطر والهواء والفضاء، ومن الأرض بالنبات والمعادن والبترول وغير ذلك ؟
ولا يملك أي إنسان أن يقول إن أحدا غير الله يفعل ذلك، فإن ادعى فليأت بالدليل والبرهان، وأنى له بذلك ؟
لقد سبق هذه الأدلة على وجود الله ذكر قصص موسى، وداود، وسليمان، وصالح، ولوط ؛ وكلها تبين عظيم قدرة الله وجليل نعمائه، وتأخذ بيد الراغب في الهداية إلى الإيمان بالله تعالى، ثم ساق القرآن الكريم هذه الأدلة المتتابعة، وبدأ كل دليل بهذا الاستفهام الإنكاري، وكأنه يقول لأهل مكة : تدبّروا في الكون حولكم، وتأملوا في أنفسكم، وستجدون أدلة وجود الله ظاهرة أمامكم.
المفردات :
يهديكم : يرشدكم بالنجوم وغيرها.
بشرا : جمع بشير، والمراد : مبشرات بقدوم المطر.
التفسير :
٦٣- أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون
من الذي يرشد الضال في المفازة المهلكة، بأن سخر لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، ويغيث المستغيث إذا لجأ إليه ؟
ومن مأثور الدعاء ما يأتي : " اللهم إني أسألك بحق أني أشهد أنك أنت الله، الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد }١٤ " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك " ١٥. " يا ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، أسألك بجلالك ونور وجهك أن تنور بالقرآن وجهي، وأن تطلق به لساني، وأن تشرح به صدري، وأن ترزقني تلاوته على النحو الذي يرضيك عني فإنه لا يعينني على الحق غيرك، ولا يهديني إليه إلا أنت، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم " ١٦.
ثم تدعو بعد ذلك بما تشاء.
ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته..
من الذي أبدع تصميم هذا الكون، بحيث تسير الرياح قبيل نزول المطر، تبشر به عبادا قاحلين في أمسّ الحاجة إلى المطر ؟ لا أحد غير الله يملك التصرف في هذا الكون.
أإله مع الله تعالى عما يشركون .
أهناك إله آخر يدّعي أنه يفعل مثل هذه الأفعال ؟ هل الأصنام العاجزة تستطيع أن تفعل شيئا من ذلك.
تعالى الله عما يشركون
تنزه الإله عن أن يكون له شريك في ملكه أو في تصرفاته، وهو الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة