وإذا وقع القول عليهم يعني إذا دنا وقوع معنى ما قيل عليهم أي ما وعدوا به من البعث والعذاب أخرجنا لهم دابة قال البغوي روي عن علي رضي الله عنه ليس بدابة لها ذنب ولكن لها لحية كأنه يشير إلى أنه رجل والأكثر على أنها دابة ذات أربع قوائم أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال الدابة ذات وبر وريش مؤلفة فيها من كل لون لها أربع قوائم ثم يخرج بعقب من الحاج وروى عن جريج عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال رأسها رأس الثور وعينها عين الخنزير وأذنها أذن الفيل قرنها قرن إبل وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هرة وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين إثني عشر ذراعا معها عصا موسى وخاتم سلميان فلا يبقى مؤمن إلا نكتت في مسجده بعصا موسى نكتة بيضاء يضيء بها وجهه ولا يبقى كافر إلا نكتت وجهه بخاتم سليمان نكتة سوداء فيسود بها وجهه حتى أن الناس يتابعون في الأسواق بكم يا مؤمن بكم يا كافر ثم تقول لهم الدابة يا فلان أنت من أهل الجنة يا فلان أنت من أهل النار وذلك قول عز وجل وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض متعلق بأخرجنا روى البغوي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال تخرج من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام ثلاثا وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم وقال إن الدابة تسمع قرع عصاي وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا فتمر بالإنسان يصلي فتقول ما الصلاة من حاجتك فتخطمه.
وذكر البغوي حديث أبي شريحة الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" تكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجا باليمن فيفشو ذكرها في البادية ويدخل ذكرها القرية يعني مكة ثم بينا الناس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله عز وجل يعني المسجد كالحرام لم تر عنهم إلا هو في ناحية المسجد يدنو ويدنو كذا قال عمرو ما بين الركن الأسود على باب بني مخزوم في وسط من ذلك- فارفض الناس عنها وثبت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ثم دكت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب حتى أن الرجل ليقوم فيعود منها بالصلاة فيأتيه من خلفه فتقول يا فلان الآن تصلي فتقبل بوجهه وتسمه في وجهه فتجاوز الناس في ديارهم وتصطحبون في أسفارهم وتشتركون في الأموال ويعرف الكافر من المؤمن فيقال للمؤمن يا مؤمن وللكافر يا كافر " عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة قلت يا رسول الله من أين تخرج ؟ قال :" من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وتنشق الصفا مما يلي المشرق وتخرج الدابة من الصفا أول ما يبدوا منها رأسها بلمعة ذات وبر وريش لن يدركها طالب ولن يفوتها هارب وتسم الناس مؤمنا وكافرا أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري ونكتت بين عينيه مؤمن وأما الكافر فنكتت بين عينيه نكتة سوداء ونكتت بين عينيه كافر " رواه البغوي وكذا أخرج ابن جرير وروى البغوي عن سهل بن صالح عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" بئس الشعب شعب حناد مرتين أو ثلاثا قيل ولم ذلك يا رسول الله ؟ قال : تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها بين الخافقين قال وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق الطير فتخبر من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون ".
تكلمهم صفة لدابة يعني تكلم الدابة الناس قال السدي تكلم ببطلان سائر الأديان سوى دين الإسلام وقال بعضهم كلامها أن تقول لواحد هذا مؤمن ولآخر هذا كافر كما مر في الأحاديث وقيل كلامها ما قال الله تعالى إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون قال مقاتل تكلمهم بالعربية فتقول عن الله تعالى : إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون تخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن والبعث. قرأ الكوفيون أن بالفتح وهو حكاية عن قول الدابة أو على تقدير الجار تقديره بأن أو حكاية قول الله الذي قيل عليه ودنا وقوعه أو علة خروجها على حذف اللام على قول غيره وقرأ الآخرون إن بالكسر على الإستئناف أي إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون قبل خروجها قيل أراد بآياتنا خروجها أي خروج دابة الأرض وسائر أشراط الساعة وأحوالها فإنها من آيات الله تعالى قال البغوي قرأ ابن جبير وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي تكلم بفتح التاء تخفيف اللام من الكلم بمعنى الجرح وقال ابن الحوراء سألت ابن عباس عن هذه الآية تكلمهم أو تكلمهم فقال كل ذلك تفعل تكلم المؤمن وتكلم الكافر قال ابن عمر رضي الله عنهما وذلك يعني خروج الدابة حين لا يؤمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يؤمن كافر بعد ذلك كما أوحى الله إلى نوح إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن (١) قلت وهذا يستنبط من الأحاديث والآثار.
فصل :
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" بادروا بالأعمال ستا الدخان والدجال ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم " (٢) رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا " (٣) رواه مسلم وعن حذيفة بن أسد الغفار قال :" إطلع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر فقال ما تذكرون ؟ قالوا نذكر الساعة قال : إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج وثلاث خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم وفي رواية نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى الحشر وفي رواية " في العاشرة وريح يلقى الناس في البحر " رواه مسلم وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى فتجلوا وجه المؤمن بالعصا وتختم أنف الكافر بالخاتم حتى ان أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا. . يا كافر " (٤) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل الدابة فيقال ممن اشتريت فيقول من الرجل المختم " رواه أحمد وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال تخرج الدابة ليلة جمع والناس يشيرون إلى منى وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يريه الدابة فخرجت ثلاث أيام ولياليهن يذهب في السماء لا يرى واحد من طرفيها قال فرأى منظرا فظيعا فقال رب ردها فردها قلت : والأحاديث المذكورة تدل على أن الدابة بين المؤمنين الصادقين في إيمانهم وبين المنافقين الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والمراد بالكفر إما ضد الإسلام المجازي الذي قلوب أهاليهم غير مصدقة بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وإما ضد الإسلام الحقيقي الذي قلوب أهاليهم وافقت ألسنتهم في التصديق لكن لم تؤمن نفوسهم ولم تطمئن فإن كان المراد بالكافر هذا المعنى فقول الدابة يا فلان أنت من أهل النار يراد به دخولها لا خلودها ولا يجوز أن يكون المراد بالكفر المجاهر بالكفر لان المجاهر بالكفر لم يبق بمكة بعد الفتح وأيضا المجاهر بالكفر ممتاز عن المسلمين قبل خروج الدابة لا حاجة في امتيازهم إلى الدابة والله أعلم.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة باب: في بقية من أحاديث الدجال (٢٩٤٧)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض (٢٩٤١)..
٤ خرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن باب: ومن سورة النمل (٣١٨٧).
التفسير المظهري
المظهري