ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

الثمن الأول من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثين
وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون * ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون * حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون * ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون * ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون * ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين* وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون* من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون * ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون * إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين* وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين* وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون
عندما خلق الله النوع الإنساني اقتضت حكمته ان يكل إليه أمانة كبرى لم يكلها إلى بقية الأكوان، وجعله خليفة في الأرض لا ليفسد فيها ويسفك الدماء، ولكن ليبرز ما آتاه الله من ذكاء وعبقرية في مجالات البناء والعمران، روحيا وماديا، خلقيا واجتماعيا ليبلوكم أيكم أحسن عملا ، وكلما تغلب الإنسان على نهم غرائزه السفلى، واهتدى بالتوجيهات الربانية ولو جزئيا فيما يمارسه من نشاط، أرخى له ربه العنان، وأعانه على قطع المراحل والأشواط، حتى تستمر سنة التطور قائمة عبر الزمان، فإذا انقلب الحال وخابت فيه جميع الآمال، على تتابع الأجيال، انقطعت صلته بالله، وأصبح بقاؤه على وجه الأرض مناقضا لحكمة الله، فأذن القاهر فوق عباده بفنائه من دون أن يبقى منه عين ولا أثر، لأنه لم يعد لوجوده أي مبرر ولا معنى يعتبر.
وفي هذا الوضع المتدهور دينيا وأخلاقيا واجتماعيا في جميع أطراف العالم يبدأ ظهور العلامات التي يعقبها قيام الساعة، وهي التي يطلق عليها في نصوص السنة " أمارات " الساعة و " أشراطها "، وهذه العلامات نوعان : صغرى وكبرى، وتظهر في شكل انقلاب خطير في المجتمع وانقلاب غريب في الطبيعة، ويصل عددها إلى عشر علامات في حديث يروى عن حذيفة الغفاري ورد نصه في صحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي، لكنه روي عنه مرفوعا حينا، وموقوفا عليه حينا آخر بحديث رواه أبو هريرة ذكر فيه من علامات الساعة ستا لا غير.
ومن بين العلامات الواردة في كلا الحديثين " دابة الأرض " التي نص عليها كتاب الله هنا بالخصوص، إذ قال تعالى : وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون }.
وذكر " دابة الأرض " في سورة النمل التي وصف فيها كتاب الله منطق الطير، وحديث النمل، وقطع المسافات البعيدة في أقل من طرفة عين، كما وقع في نقل عرش ملكة سبأ إلى بلاط سليمان، يناسب كل مناسبة ما سبق ذكره فيها من العجائب والخوارق، التي تبرز قدرة الله لمن لا يومن بالله.
وكتاب الله تارة يذكر ما يكون علامة على قيام الساعة، كذكره " دابة الأرض " في هذه الآية، وتارة يصف الأمور التي تقع عند قيام الساعة، كما في فاتحة سورة الحج يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد [ الآيتان : ١، ٢ ] وفي فاتحة سورة الواقعة : إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة * خافضة رافعة * إذا رجت الأرض رجا * وبست الجبال بسا * فكانت هباء منبثا [ ١، ٦ ] وفي فاتحة سورة التكوير : إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت [ الآيات : ١، ٣ ] وفي فاتحة سورة الانفطار إذا السماء انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت * وإذا البحار فجرت * وإذا القبور بعثرت * علمت نفس ما قدمت وأخرت [ الآيات : ١، ٥ ].
ومن ذلك قوله تعالى في سورة الحاقة : فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة * وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت الواقعة * وانشقت السماء فهي يومئذ واهية [ ١٣، ١٦ ] وقوله تعالى في سورة القيامة : فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر * كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر* ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [ ٧، ١٣ ]، وقوله تعالى في سورة المرسلات : إنما توعدون لواقع * فإذا النجوم طمست * وإذا السماء فرجت * وإذا الجبال نسفت * وإذا الرسل أقتت * لأي يوم أجلت * ليوم الفصل * وما أدراك ما يوم الفصل * ويل يومئذ للمكذبين [ ٧، ١٥ ] وقوله تعالى في سورة النبأ : إن يوم الفصل كان ميقاتا * يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا * وفتحت السماء فكانت أبوابا * وسيرت الجبال فكانت سرابا [ ١٧، ٢٠ ].
وإذا رجعنا إلى الآيات السابقة وهي قوله تعالى : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم [ الآيتان : ٨٠، ٨١ ] أدركنا العلاقة الوثيقة بينهما وبين الآية التالية، وهي قوله تعالى هنا : وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم لأنه إذا أصبح أكثر البشر " موتى " القلوب، قساة لا يمارسون أي نوع من أنواع الخير والبر فيما بينهم، " صم " الآذان، لا يسمعون نصيحة ولا موعظة ولا حكمة ولا رأيا سليما، " عمي " البصائر والأبصار، لا يهتدون في حياتهم الخاصة والعامة سبيلا، وإذا نبذوا التعاليم الإلهية وراء ظهورهم بالمرة، يكون ذلك إيذانا بأنه " قد حقت عليهم كلمة العذاب "،
لأنه لم يبق في صلاح حالهم أدنى أمل ولا رجاء، وذلك معنى قوله تعالى : وقع القول عليهم أي حل الوقت الذي يقع فيه سخط الله وغضبه عليهم، وعذابه لهم، طبقا لما تضمنه " القول الأزلي " السابق من الله، في حق من انتهك حرمات الله، وتحدى أمره وعصاه، فوقوع القول يتضمن وجوب إنزال العقاب بهم، إذ مع الاستمرار في الإصرار والاستكبار لم يبق محل للإنذار ولا للإعذار.
ويتأكد هذا المعنى بقوله تعالى في آخر الآية نفسها في نفس السياق، وقد سيق مساق التعليل : أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون وقوله تعالى بعد ذلك : ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون . وورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض ".
وقوله تعالى : أخرجنا لهم دابة من الأرض يفهم منه ان هذه الدابة تنفذ من خلال طبقات الأرض، وذكرها في الآية بصيغة النكرة دون تعريف يفيد أنها دابة غريبة التكوين، على خلاف الدواب التي عرفها البشر، وأنها فريدة في شكلها، وفي الأثر البالغ والهول العظيم الذي يحدثه ظهورها بين البشر، ولولا أنها خارقة للعادة في عالم الدواب لما جعلها الله علامة من علامات الساعة، ولما كانت مظهرا " لكلمة العذاب " التي حقت وقتئذ على الكافرين والفاسقين، والشاكين في ربهم والجاحدين.
وقد انتصر كتاب الله في وصف الدابة على أمر واحد هو أنها ( تكلمهم ) وهو بالتشديد على قراءة الجمهور، وقرئت بالتخفيف أيضا ( دابة من الأرض تكلمهم ). والقراءة بالتشديد ( دابة من الأرض تلكمهم ) تفيد معنيين اثنين :
فعلى ان هذا اللفظ مأخوذ من " الكلام " وهو الخطاب يكون المعنى أنها تخاطبهم، وتفسره قراءة أبي " تنبئهم "، وقراءة يحيى بن سلام " تحدثهم ".
وعلى أنه مأخوذ من " الكلم " وهو الجرح، وجمعه كلوم، يكون التشديد فيه للتكثير والمبالغة، يقال كلم فلان فلانا إذا بالغ في كلمه وجرحه، وفلان مكلم، أي مجرح بجروح كثيرة، ويشهد لهذا المعنى القراءة الواردة هنا بالتخفيف ( تكلمهم ) مضارع كلمه يكلمه إذا جرحه فهو مكلوم وكليم، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس ومجاهد وأبي زرعة وابن جبير وأبي رجاء وغيرهم، وسأل أبو الجوزاء ابن عباس عن هذه الآية : " تكلمهم أو تكلمهم " فقال :{ كل ذلك تفعل، هي والله تكلم المومن، وتكلم الكافر والفاجر ".
ولغرابة أمر هذه الدابة التي توعد الله بها الأشقياء من عبادة قبل قيام الساعة أطلق غير واحد من المتقدمين والمتأخرين العنان لخياله الخصب، فأخذ كل منهم يتحدث عنها كأنه يراها رأي العين، فوصفوا خلقتها وماهيتها، وقدروا جسمها وحجمها، وعينوا موضع خروجها وكيفية خروجها وعدد المرات التي تخرج فيها، وذكروا ماذا تقول للناس وتفعله بهم بعد خروجها، واهتم الزمخشري والقرطبي بإيراد ما ورد من الاختلاف في وصفها، وعندما أشار أبو حيان في تفسيره إلى الاختلاف الواقع في أمرها عقب على ذلك قائلا : " واختلفوا فيها اختلافا مضطربا يعارض بعضه بعضا، ويكذب بعضه بعضا، فاطرحنا ذكره، لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح، وتضييع لزمان نقله ". وقال الرازي في تفسيره أيضا : " وأعلم أنه لا دلالة في الكتاب على شيء من هذه الأمور، فإن صح الخبر فيه عن الرسول قبل، وإلا لم يلتفت إليه ".
على أن هذا لا يمنع من تخيل هذه الدابة إذا كان ذلك على وجه الظن والتخمين، لإبراز ان خروجها من أمكن الممكنات طبعا وسمعا، فقد ثبت علميا ان ظهور الإنسان فوق سطح الأرض سبقه وجود حيوانات غريبة في شكلها وحجمها، ثم انقرضت قبل أن يتولى الإنسان الخلافة عن الله، والله تعالى قادر على أن يخلق مثلها أو أكبر منها حجما وضخامة وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [ الروم : ٢٧ ]. وقد تكون الدابة عبارة عن إنسان مسيخ مسخه الله في شكل بهيمة، لكن أبقى له ملكة النطق، ليكلم شرار الخلق باللغة التي يفهمونها، كما مسخ أناسي من قبل، فجعلهم قردة وخنازير قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبدة الطاغوت [ المائدة : ٦٠ ] وقد تكون هذه الدابة في منتهى الصغر ودقة الحجم من جنس الحشرات الضارة، والجراثيم الفتاكة التي لم يعرفها الإنسان أبدا، فتهجم عليه في مختلف أطراف الأرض، وتتسلط عليه تسلطا عاما، وتؤذيه أذى كبيرا، دون ان يستطيع الخلاص منها ولا مقاومتها، رغما عما يتبجح به من بسطة في العلم، وتفنن في وجوه الحيلة، فيكون ذلك آية من آيات الله البينات، وعقابا لمن انتهكوا جميع الحرمات، كما أشار إلى هذا الاحتمال الأخير الأستاذ فريد وجدي في موسوعته ( دائرة معارف القرن العشرين ).
ومن السوابق في هذا الباب ما ابتلى الله به فرعون وقومه خاصة، من دون الناس عامة، إذ قال تعالى في سورة الأعراف : وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين، فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين [ ١٣٢، ١٣٣ ].
ومجمل القول ان الدابة التي جعلها الله من علامات الساعة لا يعلم أمرها على وجه التحقيق إلا الحق سبحانه وتعالى المنفرد بعلم الساعة، فلنومن بها على وجه الإجمال، ولنقف عند حدود ما وصفها به كتاب الله، ففي الوقوف عند ما

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير