ثم يقول الحق سبحانه :
{ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي
مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من
قبل قالوا سحران١ تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون٤٨ }
قوله تعالى : فلما جاءهم الحق من عندنا.. ٤٨ [ القصص ]أي : الرسول الذي طلبوه قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى.. ٤٨ [ القصص ] سبحان الله، إن كنت كذوبا فكن ذكورا، لقد طلبتم مجرد الرسول ولم تطلبوا معه معجزة معينة فقلتم : ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا.. ٤٧ [ القصص ] ولآن تطلبون آيات حسية كالتي أرسل بها موسى من قبل.
والمتأمل يجد أن الآيات قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانت آيات حسية كونية، مثل سفينة نوح عليه السلام، وناقة صالح عليه السلام، وعصا موسى عليه السلام، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله بالنسبة لسيدنا عيسى عليه السلام. وهذه كلها معجزات حسية تنتهي بانتهاء وقتها، فهي مناسبة للرسل المحدودى الزمن، والمحدودى المكان.
أما الرسول الذي أرسل للناس كافة في الزمان وفي المكان، فلا تناسبه الآية الحسية الوقتية ؛ لأنها ستكون معجزة لزمانها، وتظل العصور فيما بعد بلا معجزة ؛ لذلك جاء الحق – تبارك وتعالى – على يد محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزة باقية خالدة محفوظة بحفظ الله إلى يوم القيامة.
وقلنا : إن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كان الرسول يأتي بمعجزة تثبت صدق بلاغه عن الله، ومعه كتاب يحمل منهجه، فالكتاب غير المعجزة، أما محمد صلى الله عليه وسلم فجاءت معجزته هي عين الكتاب والمنهج الذي أرسل به ليظل الدليل على صدقه باقيا مع المنهج الذي يطالب الناس به، وإلى أن تقوم الساعة نظل نقول : محمد رسول الله هذه معجزته.
أما إخوانه من الرسل السابقين فنقول فلان، وكانت معجزته كذا على سبيل الإخبار، والخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب.
وقد صدقنا بهذه المعجزات كلها ؛ لأن الله أخبرنا بها في القرآن الكريم، فللقرآن الذي جاء معجزة ومنهجا الفضل في إبقاء هذه المعجزات ؛ لأنه أخبر بها وخلد ذكرها.
ثم يرد الله عليهم : أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل.. ٤٨ [ القصص ] ثم يحكي ما قالوا عن معجزة موسى، وعن معجزة محمد قالوا سحران تظاهرا.. ٤٨ [ القصص ] أي : أن موسى جاء بسحر، ومحمد جاء بسحر آخر، وقد تظاهرا.. ٤٨ [ القصص ] علينا يعني : تعاونا، وهي مأخوذة من الظهر كأنك قلت : أعطني ظهرك مع ظهري لنحمل معا، والظهر محل الحمل.
والرد على هذا الاتهام يسير، فمعجزة موسى وإن كانت من جنس السحر إلا أنها ليست سحرا، فالسحر يخيل لك أ الحبال حية تسعى، أما ما فعله موسى فكان قلب العصا إلى حية حقيقية تسعى وتبتلع سحرهم، لذلك ألقى السحرة ساجدين ؛ لأنهم رأوا معجزة ليست من جنس ما نبغوا فيه فآمنوا من فورهم.
أما الذين قالوا عن محمد صلى الله عليه وسلم : إنه ساحر فالرد عليهم بسيط : فلماذا لم يسحركم أنتم أيضا كما سحر المؤمنين به ؟
ثم يؤكدون كفرهم بكل من الرسولين : موسى ومحمد : وقالوا إنا بكل كافرون٤٨ [ القصص ]
أحدها: موسى ومحمد عليهما السلام. وهذا قول مشركي العرب. وبه قال ابن عباس والحسن.
الثاني: موسى وهارون. وهذا قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة. وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد.
الثالث: عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وهذا قول اليهود اليوم. وبه قال قتادة. وقيل: أم لم يكفر جميع اليهود بما أوتي موسى في التوراة من ذكر المسيح، وذكر الإنجيل والقرآن، فرأوا موسى ومحمدا ساحرين والكتابين سحرين.
.
تفسير الشعراوي
الشعراوي