أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة قوله (ونجعلهم الوارثين) قال: يرثون الأرض من بعد آل فرعون.
قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا السبب الذي جعلهم أئمة جمع إمام أي قادة في الخير، دعاة إليه على أظهر القولين. ولم يبين هنا أيضاً الشيء الذي جعلهم وارثيه، ولكنه تعالى بين جميع ذلك في غير هذا الموضع، فبين السبب الذي جعلهم به أئمة في قوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) فالصبر واليقين، هما السبب في ذلك، وبين الشيء الذي جعلهم له وارثين بقوله تعالى (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) الآية وقوله تعالى (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين)، وقوله تعالى (فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل).
قال ابن كثير: قال تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثون ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) وقد فعل تعالى ذلك بهم، كما قال (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) وقال (كذلك وأورثناها بني إسرائيل).
قوله تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ
لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢))
وفيهن قصة موسى أول حياته، انظر سورة طه (٣٧-٤١).
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وأوحينا إلى أم موسى) وحيا جاءها من الله، فقذف في قلبها، وليس بوحي نبوة أن أرضعي موسى (فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني)... الآية.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي (فألقيه في اليم) قال: هو البحر النيل.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قوله (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) عدواً لهم في دينهم، وحزنا لما يأتيهم.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة، قالت امرأة فرعون: (قرة عين لي ولك) تعني بذلك موسى.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وهم لا يشعرون) قال: وهم لا يشعرون أن هلاكهم على يديه، وفي زمانه.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن ابن عباس (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) قال: فارغا من كل شيء غير ذكر موسى.
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) قال: فارغا ليس بها همّ غيره.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي، قال: لما جاءت أمه أخذ منها، يعني الرضاع، فكادت أن تقول: هو ابني، فعصمه الله، فذلك قول الله (إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها).
أخرج عبد الرزاق بسنده الصحيح عن قتادة، قال الله (لولا أن ربطنا على قلبها) أي: بالإيمان (لتكون من المؤمنين).
أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله (لأخته قصيه) قال: اتبعي أثره كيف يصنع به.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد قوله (عن جنب) قال: بعد.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون) أنها أخته، قال: جعلت تنظر إليه كأنها لا تريده.
أخرج آدم بن أبي إياس بسنده الصحيح عن مجاهد قوله (وحرمنا عليه المراضع من قبل) قال: لا يقبل ثدي امرأة حتى يرجع إلى أمه.
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (وحرمنا عليه المراضع من قبل) قال: جعل لا يؤتى بامرأة إلا لم يأخذ ثديها، قال (فقالت) أخته (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون).
أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (فرددناه إلى أمه) فقرأ حتى بلغ (لا يعلمون) ووعدها أنه راده إليها وجاعله من المرسلين، ففعل الله ذلك بها.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن قتادة قوله (ولتعلم أن وعد الله حق) فوعدها أنه راده إليها و (جاعله) من المرسلين، ففعل الله بها ذلك.
قوله تعالى (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١))
في هذه الآيات قصة قتله للقبطي والبحث عن موسى لقتله، وقد ورد ذكر هذه القصة في سورة طه (٤٠) والشعراء (١٤).
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين