ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

ثم يقول الحق سبحانه :
{ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم
ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن
الله لا يهدي القوم الظالمين٥٠ }
وهذا يعني أن الله تعالى لم يطاوعهم إلى ما أرادوا، فلم يأتهم بكتاب آخر، لكن كيف كان سيأتيهم هذا الكتاب ؟ يجيب الحق – تبارك وتعالى – على هذا السؤال بقوله تعالى : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم٣١ [ الزخرف ]
إذن : الكلام عندهم ليس في الكتاب، إنما فيمن أنزل عليه الكتاب، وهذا معنى : فاعلم أنما يتبعون أهواءهم.. ٥٠ [ القصص ]
ثم يقول سبحانه : ومن أضل.. ٥٠ [ القصص ] يعني لا أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله.. ٥٠ [ القصص ] أي : اتبع هوى نفسه، أما إن وافق هواه هوى المشرع، فهذا أمر محمود أوضحه رسول الله في الحديث الشريف :( ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) )(١).
فنحن في هذه الحالة لا نتبع الهوى إنما نتبع الشرع ؛ لذلك يقول أحد الصالحين الذين أفنوا عمرهم في الطاعة والعبادة : اللهم إني أخشى ألا تثيبني على طاعتي ؛ لأنك أمرتنا أن نحارب شهوات أنفسنا، وقد أصبحت أحب الطاعة حتى صارت شهوة عندي.
وأضل الضلال أن يتبع الإنسان هواه ؛ لأن الأهواء متضاربة في الخلق تضارب الغايات، لذلك المتقابلات في الأحداث موجودة في الكون.
وقد عبر المتنبي(٢) عن هذا التضارب، فقال :
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه***حريصا عليه مستهاما بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقى***وحب الشجاع النفس أورده الحربا
فنحن جميعا نحب الحياة ونحرص عليها، لكن تختلف وسائلنا، فالجبان لحبه للحياة يهرب من الحرب، والشجاع يلقي بنفسه في معمعتها مع أنه محب للحياة، لكنه محب لحياة أخرى أبقى، هي حياة الشهيد.
وآخر يقول :
كل من في الوجود يطلب صيدا***غير أن الشباك مختلفات
فالرجل الذي يتصدق بما معه رغم حاجته إليه، لكنه رأى من هو أحوج منه، وفيه قال تعالى : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. ٩ [ الحشر ]
نقول : هذا آثر الفقير على نفسه، لكنه من ناحية أخرى يبغي الأجر ويطمع في عشرة أمثال ما أنفق، بل يطمع في الجنة، إذن : المسألة فيها نفعية، فالدين عند المحققين أنانية، لكنها أنانية رفيعة راقية، ليست أنانية حمقاء، الذين يرتقى بصاحبه، ويجعله إيجابيا نافعا للآخرين، ولا عليه بعد ذلك أن يطلب النفع لنفسه.
فالشرع حين يقول لك : لا تسرق. وحين يأمرك بغض بصرك، وغير ذلك من أوامر الشرع، فإنما يقيد حريتك وأنت واحد، لكن يقيد من أجلك حريات الآخرين جميعا، فقد أعطاك أكثر مما أخذ منك، فإذا نظرت إلى ما أخذ منك باتباعك للمنهج الإلهي فلا تنس ما أعطاك.
لذلك حين نتأمل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج داءات النفوس حينما أتاه شاب من الأعراب الذين آمنوا، يشتكي إليه ضعفه أمام النساء، وقلة صبره على هذه الشهوة، حتى قال له : يا رسول الله ائذن لي في الزنا، ومع ذلك لم ينهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أعلم أنه أمام مريض يحتاج إلى من يعالجه، ويستل من نفسه هذه الثورة الجامحة، خاصة وقد صارح رسول الله بما يعاني فكان صادقا مع نفسه لم يدلس عليها.
لذلك أدناه رسول الله، وقال له : يا أخا العرب، أتحب ذلك لأمك ؟ أتحب ذلك لزوجتك ؟ أتحب ذلك لأختك ؟ أتحب ذلك لابنتك ؟ والشاب في كل هذا يقول : لا يارسول الله جعلت فداك.
عندها قال صلى الله عليه وسلم :( ( كذلك الناس يا أخا العرب لا يحبون ذلك لأمهاتهم ولا لزوجاتهم ولا لأخواتهم ولا لبناتهم ) )(٣).
فانصرف الشاب وهو يقول : والله ما شيء أبغض إلي من الزنا بعدما سمعت من رسول الله، وكلما همت بي شهوة ذكرت قول رسول الله في أمي، وزوجتي، وأختي، وابنتي.
فالذي يجرىء الناس على المعصية والولوع بها عدم استحضار العقوبة وعدم النظر في العواقب، وكذلك يزهدون في الطاعة لعدم استحضار الثواب عليها.
وسبق أن قلنا لطلاب الجامعة : هبوا أن فتى عنده شره جنسي، فهو شره منطلق يريد أن يقضي شهوته في الحرام، ونريد له أن يتوب فقلنا له : سنوفر لك ما تريد على أن تلقي بنفسك في هذا ( الفرن ) بعد أن تنهى ليلتك كما تحب، ماذا يصنع ؟
ثم يقول تعالى : إن الله لا يهدي القوم الظالمين٥٠ [ القصص ] وفي مواضع أخرى : لا يهدي القوم الفاسقين١٠٨ [ المائدة ]، لا يهدي القوم الكافرين٢٦٤ [ البقرة ]، وكلها دلت على أن الله لا يصنع عدم الهداية لأحد إلا بسبق شيء منه، والمراد بالهداية هنا – أي : هداية الإيمان والتقوى – وإلا فقد هدى الله الجميع هداية الدلالة والإرشاد فلم يأخذ بها هؤلاء فحرموا هداية الإيمان.

١ أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب ((السنة)) (١/١٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأورده ابن رجب الحنبلي في ((جامع العلوم والحكم)). (ص ٤٦٠) وضعفه..
٢ أبو الطيب المتنبي هو: أحمد بن الحسين الكندي، الشاعر الحكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي، له الأمثال السائرة والحكم البالغة، ولد بالكوفة عام ٣٠٣ هـ في محلة تسمى ((كندة)) ونشأ بالشام، تنبأ في بادية السماوة، وقتل عام ٣٥٤ هـ على يد جماعة خرجوا عليه بالطريق.[الأعلام للزركلي ١/١١٥].
.

٣ عن أبي أمامة أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، فهم من كان قرب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتناولوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه. ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتحب أن يفعل هذا بأختك؟ قال: لا، قال: فابنتك؟ قال: لا. فلم يزل يقول فبكذا فبكذا، كل ذلك يقول: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاكره ما كره الله وأحب لأخيك ما تحب لنفسك. أورده المتقي الهندي في منتخب الكنز (٢/٣٩٧) وعزاه لابن جرير الطبري..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير