وأوحينا إلى أم موسى وهي يوخابذ بنت لاوى بن يعقوب عليه السلام كذا ذكر البغوي أجمعوا على انه ليس بوحي نبوة وان النبي لا يكون إلا رجلا قال قتادة قذف في قبلها وهو الإلهام في اصطلاح الصوفية ومن جنسه المنام الصادق الموجب لليقين واطمئنان القلب وهو أيضا من قبيل الإلهام وهذه الآية تدل على أن الإلهام أيضا من أسباب العلم وإن كان علما ظنيا والمعتبر إلهام القلوب الزاكية والنفوس المطمئنة والفرق بين الوسوسة الإلهام بحصول اليقين واطمئنان القلب أن أرضعيه أن مفسرة لأوحينا لأن فيه معنى القول أو مصدرية يعني أرضعي موسى ما أمكنك إخفاؤه قال البغوي اختلفوا في مدة إرضاع موسى عليه السلام أمه ؟ قيل هي ثمانية أشهر وقيل أربعة أشهر وقيل ثلاثة أشهر كانت ترضعه في حجرها وهو لا يبكي ولا يتحرك فإذا خفت عليه بأن يحس به فألقيه في اليم في البحر يريد النيل ولا تخافي عليه الضياع ولا تحزني لفراقه إنا رادوه إليك من قريب بحيث تأمنين عليه وجاعلوه من المرسلين .
روى عطاء والضحاك عن ابن عباس : إن بني إسرائيل لما كث٤ روا بمصر واستطالوا على الناس وعملوا بالمعاصي ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم إلى أن ناهم الله على يدي نبيه موسى عليه السلام قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن أم موسى لما دنى ولادتها وكانت قابلة من القوابل اللاتي وكلمهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافيه لأم مولى فلما ضربها الطلق أرسلت إليها وقالت : قد نزل بي ما نزل فلينفعني حبك إياي اليوم قال : فعالجت فلما أن وقع موسى عليه السلام بالأرض هالها نور بين عيني موسى عليه السلام فارتعش كل مفصل منها ودخل حب موسى عليه السلام في قلبها ثم قالت : يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلا ومن ورائي قتل مولودك ولكن وجدت لابنك حبا ما وجدت حب شيء مثل حبه فاحفظي ابنك فإني أراه مناونا فلما خرجت القابلة من عندها أبصر بعض العيون فجاؤوا إلى بابها ليدخلوا على أم موسى فقالت أخته : يا أماه هذا الحرس بالباب فلفت موسى في خرقة فوضعته في التنور وهو مسجور فطاش عقلها فلم تعقل فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا لها : ما أدخل عليك القابلة ؟ قالت : هي مصافية لي فدخلت علي زائرة فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت لأخت مولى عليه السلام : فأين الصبي ؟ قالت : لا أدري فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله سبحانه وتعالى النار عليه بردا وسلاما فاحتملته.
قال ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها فقذف الله في نفسها أن تتخذ له تابوتا ثم تقذف التابوت في اليم وهو النيل فانطلقت إلى رجل من قوم فرعون نجار فاشترت منه تابوتا صغيرا فقال لها النجار ما تصنعين بهذا التابوت قالت ابن لي أخبأه في التابوت وكرهت الكذب قال ولم تقل أخشى عليه كيد فرعون فلما اشترت التابوت وحملته فانطلقت إنطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى فلما هم بالكلام أمسك الله تعالى فلم يطق الكلام وجعل يشير بيده فلم يدر الأمناء ما يقول فلما أعياهم أمره قال كبيرهم اضربوه وأخرجوه فلما انتهى النجار إلى موضعه رد الله عليه لسانه فتكلم فانطلق أيضا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ لسانه وبصره فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئا فضربوه وأخرجوه ووقع في واد يهوي فيه حيران فجعل عليه أن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون معه ويحفظه حيث ما كان فعرف الله منه الصدق فرد الله عليه بصره ولسانه فخر لله ساجدا فقال يا رب دلني على هذا.
وقال وهب بن منبه : لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها من جميع الناس فلم يطلع على حملها أحد من خلق الله وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمن على بني إسرائيل فلما كانت السنة الني يولد فيها بعث فرعون القوابل وتقدم إليهن ففتشن النساء تفتيشا لم يفتش قبل ذلك وحملت أم موسى بموسى فلم ينت بطنها ولم يتغير لونها ولم يظهر لبنها وكانت القوابل لا تتعرض لها فلما كانت الليلة التي ولد فيها ولدته ولا رقيب عليها ولا قابلة ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم وأوحى الله إليها أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ١ الآية فكتمته أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها لا يبكي ولا يتحرك فلما خافت عليه عملت له تابوتا مطبقا قيل وضعته في تابوت مطلى بالقار من داخل ممهدا له فيه وأغلقته في البحر ليلا.
قال ابن عباس وغيره : فكان لفرعون يومئذ بنت ليس له ولد غيرها وكانت أحب الناس عليه وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون وكان بها برص شديد وكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة فنظروا في أمرها فقالوا لها أيتها الملكة لا تبرئي إلا من قبل البحر يوجد فيه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيطلح به برصها فتبرأ من ذلك وذا يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس فلما كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه إمرأته آسية بنت مزاحم وأقبلت ابنة فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها حتى تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن إذا أقبل النيل بالتابوت يضربه الأمواج فقال فرعون إن هذا الشيء في النيل قد تعلق بالشجرة ائتوني به فابتدروا بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها فعالجت ففتحت الباب فإذا هي بصبي صغير في مهده وإذا نور بين عينيه وقد جعل الله رزقه في إبهاميه يمصهما لبنا فألقى الله تعالى المحبة لموسى في قلب آسية وأحبه فرعون وعطف عليه وأقبلت ابنة فرعون فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان من ريقه فلطخت ببرصها فبرأت فقبلته وضمته إلى صدرها فقالت الغواة لفرعون أيها الملك إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا رمي به في البحر خوفا منك أن نقتله فهم فرعون بقتله قالت آسية ( قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ) ٢ وكانت لا تلد فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها وقال فرعون أما أنا فلا حاجة لي فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو قال يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها " ٣ فقيل لآسية سميه فقالت سميته موسى لأنا وجدناه بين الماء والشجر " فمو " هو الماء- " سا " هو الشجر ".
٢ سورة القصص الآية: ٩..
٣ رواه إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر وانظر كنز العمال (٣٠٢٢)..
التفسير المظهري
المظهري