الربع الأخير من الحزب الأربعين في المصحف الكريم
يواصل كتاب الله في هذا الربع وصف قصة إبراهيم، ويتبعها بقصة لوط، ثم يستعرض نماذج من الأقوام التي هلكت، لخروجها عن المنهج الإلهي القويم، كقوم لوط وعاد وثمود، ونماذج من الأفراد الذي طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، كقارون وفرعون وهامان.
أما تمام قصة إبراهيم التي مضى جزء منها في الربع الماضي فهي أن إبراهيم عليه السلام قد هدى الله على يديه ابن أخيه لوطا، فكان أول من صدقه وآمن به، وأدرك سر الله في تحويل النار عن طبيعتها عندما رماه قومه فيها، وجعلها بردا عليه وسلاما فآمن له لوط . وعندما أحس إبراهيم بوحي من ربه أن قومه لن يتراجعوا عن ضلالهم القديم، ولن يومنوا بدعوته التي جاء بها من عند الله، لم يقف مكتوف اليد، بل قرر هجرهم والبعد عنهم، والانتقال إلى مكان آخر أنسب لدعوته، وإلى قوم آخرين أكثر استعدادا لقبولها وقال إني مهاجر إلى ربي ، وبذلك سن لذريته من بعده سنة الهجرة، حتى قيل : " لكل نبي هجرة "، فهاجر محيي ملته، ومجدد دعوته، خاتم الأنبياء والمرسلين من مكة إلى المدينة، وإنما قال إلى ربي لأنه لم يهاجر إلى أي مكان كان بدافع شخصي، بل ولى وجهه بالخصوص نحو المكان الذي أمره الله بالتوجه إليه، ثم ذيل إبراهيم ذلك بقوله : إنه هو العزيز الحكيم اقتناعا منه بأن الله تعالى لن يكله إلى نفسه متى فارق قومه، بل سيحميه من مكرهم ومكر كل ذي مكر، لأنه سبحانه ( عزيز ) ولله العزة ولرسوله وللمومنين، ولكن المنافقين لا يعلمون [ المنافقون : ٨ ] وإيمانا منه بأن تصرفات الله في خلقه كلها حكمة وسداد، وأن الإذن له بالهجرة بشير سعد وفأل خير، لأنه سبحانه ( حكيم ) إنه هو العزيز الحكيم .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري