ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

ثم يقول الحق سبحانه :
{ فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي
إنه هو العزيز الحكيم٢٦ }
أي : أن قوم إبراهيم – عليه السلام – ظلوا على كفرهم، والذي آمن به لوط – عليه السلام – وكان ابن أخيه، وكانوا في العراق، ثم سينتقلون بعد ذلك إلى الشام.
وكلمة فآمن له.. ٢٦ [ العنكبوت ] حين نتتبع كلمة آمن في القرآن الكريم نجد أنها تدور حول الأمن والطمأنينة والراحة والهدوء، لكنها تختلف في المدلولات حسب اختلاف موقعها الإعرابي، فهنا فآمن له.. ٢٦ [ العنكبوت ] وهل يؤمن لوط لإبراهيم ؟ والإيمان كما نقول يؤمن بالله فما دام السياق فآمن له.. ٢٦ [ العنكبوت ] فلا بد أن المعنى مختلف، ولا يقصد هنا الإيمان بالله.
ومعنى ( آمن ) هنا كما في قوله تعالى عن قريش : وآمنهم من خوف٤ [ قريش ] فالفعل هنا متعد، فالذي آمن الله، آمن قريشا من الخوف. وكذلك في قوله تعالى : هل آمنكم عليه.. ٦٤ [ يوسف ]ومعنى فآمن له.. ٢٦ [ العنكبوت ] أي : صدقه.
ومنه قوله تعالى : وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين١٧ [ يوسف ] أي : بمصدق، أما آمنت بالله ؛ اعتقدت وجوده بصفات الكمال المطلق فيه سبحانه.
ولوط لا يصدق بإبراهيم، إلا إذا كان مؤمنا بإله أرسله، فكأنه آمن بالله ثم صدقه فيما جاء به وقصة لوط عليه السلام لها موضع آخر فصلت فيه، إنما جاء ذكره هنا ؛ لأنه حصيلة الصفقة الجدلية والجهادية بين إبراهيم وقومه، فبعد أن دعاهم إلى الله ما آمن له إلا لوط ابن أخيه.
وأذكر أن الشيخ موسى – رحمة الله عليه – وكان يدرس لنا التفسير، وجاءت قصة لوط عليه السلام فقلت له : لماذا ننسب رذيلة قوم لوط إليه فنقول : لوطي١. وما جاء لوط إلا ليحارب هذه الرذيلة ويقضي عليها ؟
فقال الشيخ : فماذا نقول عنها إذن ؟ قلت : إن اللغة العربية واسعة الاشتقاق، فمثلا عند النسب إلى عبد الأشهل قالوا : أشهلي، ولعبد العزيز قالوا : عبدزي، ولبختنصر قالوا : بختى، والآن نقول في النسب إلى دار العلوم درعمي.. إلخ فلماذا لا نتبع هذه الطريقة ؟ فنأخذ القاف المفتوحة، والواو الساكنة من قوم، ونأخذ الطاء من لوط، ثم ياء النسب فنقول ( قوطى ) ونجنب نبي الله لوطا عليه السلام أن ننسب إليه ما لا يليق أن ينسب إليه.
وقد حضرت احتفالا لتكريم طه حسين، فكان مما قتله في تكريمه :( لك في العلم مبدأ طحسنى ) ؛ لأنه كثيرا ما نجد بين العلماء اسم طه، واسم حسين.
إذن : فقوله تعالى فآمن له لوط.. ٢٦ [ العنكبوت ] جاءت جملة اعتراضية في قصة إبراهيم عليه السلام ؛ لأنه المحصلة النهائية لدعوة إبراهيم في قومه ؛ لذلك يعود السياق مرة أخرى إلى إبراهيم وقال إني مهاجر إلى ربي.. ٢٦ [ العنكبوت ] أي : منصرف عن هذا المكان ؛ لأنه غير صالح لاستتباب الدعوة.
ومادة هجر وما يشتق منها تدل على ترك شيء إلى شيء آخر، لكن هجر تعني أن سبب الهجر منك وبرغبتك، إنما هاجر فيها مفاعلة مثل شارك وقاتل، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة، إنما هاجر منها إلى المدينة.
وهذا يعني أنه لم يهاجر برغبته، إنما آذاه قومه واضطروه للخروج من بلده، إذن : فلهم دخل في الهجرة، وهم طرف ثان فيها.
لذلك يقول المتنبي :
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا***ألا تفارقهم فالراحلون همو
ومن دقة الأداء القرآني في هذه المسألة أن يسمى نقلة رسول الله من مكة إلى المدينة هجرة من الثلاثي، ولا يقول مهاجرة ؛ لأنه ساعة يهاجر يكره المكان الذي تركه، لكن هنا قال في الفعل : هاجر. وفي الاسم قال : هجرة ولم يقل مهاجرة.
وسبق أن ذكرنا أن هجرة المؤمنين الأولى إلى الحبشة كانت هجرة لدار أمن فحسب، لا دار إيمان، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وجههم إلى الحبشة بالذات قال :( ( لأن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد ) )٢.
وكأنه صلى الله عليه وسلم بسطت له خريطة الأرض كلها، فاختار منها هذه البقعة ؛ لأنه قد تبين له أنها دار أمن لمن آمن من صحابته، أما الهجرة إلى المدينة فكانت هجرة إلى دار إيمان، بدليل ما رأيناه من موقف الأنصار مع المهاجرين.
وهنا يقول إبراهيم عليه السلام : إني مهاجر إلى ربي.. ٢٦ [ العنكبوت ] فالمكان إذن غير مقصود له، إنما وجهة ربي هي المقصودة، وإلا فلك أن تقول : كيف تهاجر إلى ربك، وربك في كل مكان هنا وهناك ؟
فالمعنى : مهاجر امتثالا لأمر ربي ومتوجه وجهة هو آمر بها ؛ لأنه من الممكن أن تنتقل من مكان إلى مكان بأمر رئيسك مثلا، وقد كانت لك رغبة في الانتقال إلى هذا المكان فترحب بالموضوع ؛ لأنه حقق رغبة في نفسك، فأنت – إذن – لا تذهب لأمر صدر لك، إنما لرغبة عندك.
لذلك جاء في الحديث :( ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدينا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) )٣.
فالمعنى إني مهاجر إلى ربي.. ٢٦ [ العنكبوت ] يعني : ليس الانتقال على رغبتي وحسب هواي، إنما حسب الوجهة التي يوجهني إليها ربي. وأذكر أنه كان لهذه المسألة واقع في تاريخنا، وكنا جماعة من سبعين رجلا، وقد صدر منا أمر لا يناسب رئيسنا، فأصدر قرارا بنقلنا جميعا وشتتنا من أماكننا، فذهبنا عند التنفيذ نستعطفه عله يرجع في قراره، لكنه صمم عليه، وقال : كيف أكون رئيسا ولا أستطيع إنفاذ أمري على المرؤوسين ؟
فقال له أحدنا وكان جريئا : سنذهب إلى حيث شئت، لكن اعلموا أنكم لن تذهبوا بنا إلى مكان ليس فيه الله.
وكانت هذه هي الكلمة الحق التي هزت الرجل، وأعادت إليه صوابه، فالحق له صولة، وفعلا سارت الأمور كما نريد، وتنازل الرئيس عن قراره.
فمعنى : مهاجر إلى ربي.. ٢٦ [ العنكبوت ] أن ربي هو الذي يوجهني، وهو سبحانه في كل مكان. يؤيد ذلك قوله سبحانه : فأينما تولوا فثم وجه الله.. ١١٥ [ البقرة ] وكأن الحق سبحانه يقول لنا : اعلموا أنني ما وجهتكم في صلاتكم إلى الكعبة إلا لأؤكد هذا المعنى ؛ لأنك تتجه إليها من أي مكان كنت، ومن آية جهة فحيثما توجهت فهي قبلتك.
ثم يقول : إنه هو العزيز الحكيم٢٦ [ العنكبوت ] اختار الخليل إبراهيم – عليه السلام – من صفات ربه العزيز.. ٢٦ [ العنكبوت ] أي : الذي لا يغلب وهو يغلب. وهذه الصفة تناسب ما كان من محاولة إحراقه، وكأنه يقول للقوم : أنا ذاهب إلى حضن من لا يغلب.
و الحكيم٢٦ [ العنكبوت ] أي : في تصرفاته، فلا بد أنه سبحانه سينقلني إلى مكان يناسب دعوتي، وأناس يستحقون هذا الدعوة بما لديهم من آذان صاغية للحق، وقلوب وأفئدة متشوقة إليه، وتنتظر كلمة الحق التي أعرضتم أنتم عنها.

١ جاء في: [لسان العرب – مادة: لوط]((لاط الرجل لواطا ولاوط أي: عمل عمل قوم لوط. وقال الليث: لوط كان نبيا بعثه الله إلى قومه فكذبوه وأحدثوا ما أحدثوا فاشتق الناس من اسمه فعلا لمن فعل فعل قومه))..
٢ عن أم سلمة أنها قالت: ((لما ضاقت علينا مكة، وأوذى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لايستطيع دفع ذلك عنهم، وكان صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ((إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه"حديث طويل، أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/٣٠١) وأورده ابن هشام في السيرة بنحوه (١/٣٢١)..
٣ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (١)، وكذا مسلم في صحيحه (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب، وأوله ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى))..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير